شيخ محمد قوام الوشنوي
191
حياة النبي ( ص ) وسيرته
جبريل جسم وانّ نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة ، وإذا كان كذلك كان الالزام المذكور قويا . إلى أن قال : الوجه الخامس - انّه جاء في القرآن انّ الرياح كانت تسير بسليمان ( ع ) إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة ، قال تعالى في صفة مسير سليمان غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ « 1 » بل نقول الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة ، وذلك يدل أيضا على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة . الوجه السادس - انّ القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر ، بدليل قوله تعالى قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ « 2 » الآية ، وإذا كان ممكنا في حق بعض الناس علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود . ( المقدمة الثانية ) في بيان أن هذه الحركة لمّا كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد ( ص ) ممتنعا والذي يدل عليه : انّا بيّنّا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، فلمّا صحّ حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام ، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد ( ص ) أمر ممكن الوجود في نفسه . إذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات وثبت حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد ( ص ) ممكن ، وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه . أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب ، إلّا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام ، بل هو حاصل في جميع المعجزات ، فانقلاب العصا ثعبانا تبلع سبعين ألف حبل من الحبال والعصي ثمّ تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب ، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصمّ وإظلال الجبل
--> ( 1 ) سورة سبأ / الآية 12 . ( 2 ) سورة النمل / الآية 40 .