شيخ محمد قوام الوشنوي
155
حياة النبي ( ص ) وسيرته
وولد عبد اللّه بن عباس وهم بالشعب . وقال الكازروني اليماني : وفي هذه السنة - يعنى سنة ثمان من البعثة - تعاهد قريش وتقاسمت على معاداة رسول اللّه ( ص ) . إلى أن قال : فكتبوا في ذلك صحيفة وكتب فيها جماعة من قريش وعلقوها بالكعبة ، ثمّ غدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم ، واشتد البلاء عليهم وعظمت الفتنة فيهم وزلزلوا زلزالا شديدا ، وأبدت قريش لبني عبد المطلب الجفاء ، وثار بينهم شر وقالوا : لا صلح بيننا وبينكم ، ولا رحم إلّا على قتل هذا الصابي ، فعمد أبو طالب فأدخل الشعب ابن أخيه وبني أبيه ومن اتبعهم من بين مؤمن ، دخل لنصرة اللّه ونصرة رسوله وبين مشرك لحميته ، فدخلوا شعبهم وهو شعب أبي طالب في ناحية مكة ، وآذوا النبي ( ص ) والمؤمنين أذى شديدا ، وضربوهم في كل طريق وحصروهم في شعبهم وقطعوا عنهم المادة ، فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعاما ولا شيئا مما يرفق به ، وكانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم ، فكانت قريش تباكرهم إلى الأسواق فيشترونها ويغلونها عليهم ، ونادى منادي الوليد بن المغيرة في قريش : أيما رجل منهم وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه ، فبقوا على ذلك ثلاث سنين حتّى بلغ القوم الجهد الشديد وحتّى سمعوا أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب ، وكان المشركون يكرهون ما فيه بني هاشم من البلاء ، حتّى كره عامة قريش ما أصاب بني هاشم ، وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم القاطعة الظالمة التي تعاهدوا فيها على محمد ( ص ) ورهطه ، حتّى أراد رجال منهم أن يبرؤوا منها ، وكان أبو طالب يخاف أن يغتالوا رسول اللّه ( ص ) ليلا أو سرّا ، وكان النبي إذا أخذ مضجعه أو رقد جعله أبو طالب بينه وبين بنيه خشية أن يقتلوه ، ويصبح قريش وقد سمعوا أصوات صبيان بني هاشم من الليل يتضاغون من الجوع ، فيجلسون عند الكعبة فيسأل بعضهم بعضا فيقول الرجل لأصحابه : كيف بات أهلك البارحة ؟ فيقولون : بخير . فيقول : لكن اخوانكم هؤلاء الذين في الشعب بات صبيانهم يتضاغون من الجوع ، فمنهم من يعجبه ما يلقى محمد ( ص ) ورهطه ، ومنهم من يكره ذلك . فأقامت قريش على ذلك من أمرهم في بني هاشم وبني المطلب سنتين أو ثلاثا ، حتّى جهد القوم جهدا شديدا لا يصل إليهم شيء إلّا سرّا أو مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش ،