محمد الريشهري
46
حكم النبي الأعظم ( ص )
ومن ثمّ فهو لم يأمره بتخفيض الأسعار والتقليل من قِيَمها ، ولا ريب أنّ انتظام الأسعار بموازين عدل لا يعني إلحاق الضرر بالمنتج أو بالبائع ، وإنّما سيكون الأمر كما عبّر عنه الإمام في نصّ عهده ؛ من أنّ الأسعار تنتظم في موازين عدل حين لا يجحف بالفريقين : البائع والمبتاع . وهذه الحقيقة لا تكتسب صيغتها الواقعية على الأرض فعلًا إلّا إذا هيّأت الدولة المناخ المناسب لعرض السلع بأثمانها الطبيعية . من هذا المنطلق ، أفتى عدد من الفقهاء بجواز التسعير للحاكم في حال إجحاف البائع . « 1 » حين نأخذ هذا التحليل بنظر الاعتبار ، فعندئذٍ يمكن القول بأنّ الفتوى بعدم جواز التسعير ناظرة إلى التسعير في مقابل السعر الطبيعي . أمّا فتوى الجواز فناظرة إلى التسعير والإلزام بقيمة محدّدة في مقابل السعر غير الطبيعي ، وبغية مواجهة العناصر الكاذبة الكامنة وراء رفع الأسعار على نحوٍ وهمي غير واقعي . على هذا الأساس ، ليس ثمّ تهافت في فتاوى الفقهاء حول التسعير .
--> ( 1 ) اختار القولَ بجواز التسعير المفيدُ في المقنعة ( ص 96 ) ، وابن حمزة في الوسيلة ( الجوامع الفقهية : ص 745 ) ، والشهيد في الدروس ( ص 332 ) ، وفي مفتاح الكرامة ( ج 4 ص 109 ) : " وفي الوسيلة والمختلف والإيضاح والدروس واللمعة والمقتصر والتنقيح أنّه [ أي الحاكم ] يسعِّر عليه إن أجحف في الثمن ؛ لما فيه من الإضرار المنفي " ( راجع : ولاية الفقيه : ج 2 ص 660 ) . وقال السيد الخميني : " وأمّا التسعير فلا يجوز ابتداءً ، نعم لو أجحف الزم بالتنزّل ، وإلّا ألزمه الحاكم بسعر البلد أو بما يراه مصلحة . فما دلّ على عدم التسعير منصرف عن مثل ذلك ، فإنّ عدم التسعير عليه قد ينتهي إلى بقاء الاحتكار ، كما لو سعّر فرارا من البيع بقيمة لا يتمكّن أحد من الاشتراء بها ، فلا إشكال في أنّ أمثال ذلك إلى الوالي ، والأخبار لا تشمل مثله " ( كتاب البيع : ج 3 ص 416 ) .