محمد الريشهري

36

حكم النبي الأعظم ( ص )

للعبدِ جلال اللّه ، وكان محجوبا عن لقائه ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : " لَولا أنَّ الشَّياطينَ يَحومونَ عَلى قُلوبِ بَني آدَمَ لَنَظَروا إلىمَلَكوتِ السَّماءِ " . فمن هذا الوجه صار الصوم بابَ العبادة وصارَ جُنّةً . « 1 » وفي النهاية لابن الأثير : قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأنّه لِمَ خَصّ الصومَ والجزاءَ عليه بنفسه عز وجل ، وإن‌كانت العبادات كُلّها له وجَزاؤها منه ؟ وذكروا فيه وجوها مدارُها كُلّها على أنّ الصوم سِرٌّ بين اللّه والعبد لايَطَّلِع عليه سِواه ، فلا يكون العبدُ صائما حَقيقةً إلّا وهو مُخلص في الطاعة . وهذا وإن كان كما قالوا ؛ فإن‌َغير الصَّوم من العبادات يشاركه في سرّ الطاعة ، كالصلاة على غير طهارة أو في ثوبٍ نجس ، ونحو ذلك من الأسرار المقترنة بالعبادات الّتي لا يعرفها إلّا اللّه وصاحبها . وأحسن ما سمعت في تأويل هذا الحديث : أنّ جميع العبادات الّتي يتقرّب بها العباد إلى اللّه عز وجل من صلاة ، وحجّ ، وصدقة ، واعتكاف ، وتبتُّل ، ودعاء ، وقُربان ، وهَدي ، وغير ذلك من أنواع العبادات قد عَبَدَ المشركون بها آلِهتَهم ، وما كانوا يتَّخذونه من دون اللّه أندادا ، ولم يُسمَع أنّ طائفة من طوائف المشركين وأرباب النِّحَلِ في الأزمان المُتَقادِمة عَبدت آلهتها بالصوم ، ولا تقرَّبت إليها به ، ولا عُرف الصوم في العبادات إلّا من جهة الشرائع ، فلذلك قال اللّه عز وجل : " الصَّومُ لي وأنَا أجزي بِهِ " ؛ أي : لم يُشاركني أحدٌ فيه ، ولا عُبد به غيري ، فأنا حينئذٍ أجزي به وأتولَّى الجزاء عليه بنفسي ، لا أكِلُه إلى أحد من ملك مقرّب أو غيره على قدر اختصاصه بي . « 2 »

--> ( 1 ) المحجّة البيضاء : ج 2 ص 125 ؛ إحياء علوم الدين : ج 1 ص 346 . ( 2 ) النهاية : ج 1 ص 270 .