محمد الريشهري

586

حكم النبي الأعظم ( ص )

بيد أنّ هذا القدر في تحليل مناشئ الظاهرة وأسبابها لا يعدّ كافيا ، تماما كما سبق أن ذكرنا ذلك في تحليل مناشئ الإيثار ، إذ ينبغي للتحليل أن يتوغّل أكثر ليكشف هذه المرّة عن مناشئ الحرص ولماذا يميل الإنسان إلى عدم الاهتمام بحقوق الناس ، والاستخفاف بمكارم الأخلاق ؟ إنّ الأصل العميق الذي ترجع إليه جذور ظاهرة الاستئثار وأسبابه ، يتمثّل بالأنانية وغياب الإيمان أو ضعفه ، فإذا عجز الإيمان عن استيعاب الغرور والأنانية الذاتية عند الإنسان ولم ينجح بهضمها وتوجيهها ، فمن الطبيعي أن يتمخّض ذلك عن إنسان أناني مغرور ، لا يعيش إلّا ذاته ولا يفكّر سوى بالاستحواذ على كلّ شيء والانفراد به لنفسه وذويه وقرابته ومن يرتبط به ، وبتعبير الإمام عليّ عليه السلام : مَن مَلَكَ استَأثَرَ . « 1 » هذا التعليل هو الذي يفسّر مآلات التيارات المادّية ومصيرها ، فمهما كانت العناوين التي ترفعها هذه التيارات والشعارات التي تلوّح بها في مضمار تأمين الحرّيات وضمان حقوق الناس ، فإنّ المصير الذي تنتهي إليه عند تسلّم السلطة هو الاستئثار والفردية . على ضوء هذه الحصيلة يمكن القول بأنّ جميع ضروب الاستئثار والفردية التي برزت في التاريخ الإسلامي ممّا كان النبيّ صلى اللّه عليه وآله قد تنبّأ به وأخبر عن وقوعه ؛ قد اكتسبت في مضمونها هوية مادّية ومنحىً مناهضا للدين ، برغم شعاراتها الدينية وتواريها خلف اسم الدين . 3 . خطر الاستئثار يعدّ الاستئثار من أخطر الخصال التي تفتك بالقيم وتدمّرها ، فتبعاته المخرّبة لا

--> ( 1 ) نهج البلاغة : الحكمة 160 ، بحار الأنوار : ج 13 ص 357 ح 62 ؛ شُعب الإيمان : ج 2 ص 311 ح 1910 .