محمد الريشهري

430

حكم النبي الأعظم ( ص )

الدنيا المذمومة نفسيّا إلى جانب إعراضه العمليّ . ثالثا مراتب الزهد أشرنا إلى أنّ أدنى مراتب الزهد هو عدم الرغبة النفسيّة مع الاجتناب عن المحرّمات ، أمّا أعلى درجاته فهي النقطة التي تنزاح معها حجب المعرفة بشكل تامّ من أمام نظر القلب ، ويصل فيها السالك إلى مرتبة اليقين ، وبالوصول إلى هذه المرتبة ينكشف للزاهد باطن الدنيا المذمومة وحقيقة غرورها ، وعندها لا يرغب عن الدنيا وحسب ، بل ينفر منها ويبغضها ، كما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : عُرِضَت عَلَيهِ الدُّنيا فَأَبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنَّ اللّهَ أبغَضَ شَيئا فَأَبغَضَهُ . « 1 » وبيّن عليه السلام نفرته من الدنيا المذمومة في كثيرٍ من أحاديثه ، منها قوله : أمَرُّ عَلى فُؤادي مِن حَنظَلَةٍ يَلوكُها ذو سُقمٍ . « 2 » وقوله : أهوَنُ في عَيني مِن عُراقِ خِنزيرٍ في يَدِ مَجذومٍ . « 3 » رابعا الفرق بين الزهد الإسلاميّ والرهبانيّة المسيحيّة عرفنا أنّ للزهد الإسلاميّ بُعدا باطنيّا وبُعدا ظاهريّا ، وأنّ الزاهد يشعر في داخله بعدم الرغبة في الدنيا ، ويظهر ذلك في الخارج أيضا ، وهنا قد يُطرح سؤال : على ضوء هذا التعريف للزهد الإسلامي ، ما الفرق بينه وبين الرهبانيّة المسيحيّة ؟ ولماذا تنهى الروايات والأخبار بشدّة عن الرهبانيّة ؟ « 4 »

--> ( 1 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الثالث / الفصل السادس : أماثل الزهاد : ح 1165 ) . ( 2 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الثاني / الفصل الثاني : تقويم الدنيا : ح 511 ) . ( 3 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الثاني / الفصل الثاني : تقويم الدنيا : ح 510 ) . ( 4 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الأوّل / الفصل الثاني : أهميّة الدنيا ودورها في بناء ف الآخرة : النهي عن الترهّب وتحريم ما أحلّ اللّه ) .