محمد الريشهري

426

حكم النبي الأعظم ( ص )

بناءً على ما تقدّم ، ومع أنّ كلمة الزهد يستفاد منها معنى القلّة ، فإنّ لها معنىً آخر يقابل الرغبة ، بيد أنّ التأمّل في كلمات اللغويّين يقودنا إلى الاعتقاد بأنّ المعنى الأوّل أصلٌ والثاني فرعٌ . الزهد في القرآن والحديث جاءت مادّة الزهد في القرآن الكريم مرّة واحدة ، وذلك في سورة يوسف عليه السلام : " وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ " . « 1 » أي أنّ باعة يوسف عليه السلام قد باعوه بثمن زهيد قليل لعدم رغبتهم فيه . وقد استُعملت كلمة الزهد في هذه الآية بمعنى عدم الرغبة ، وارتباط ذلك بقلّة الثمن يعكس المعنى الأصليّ والفرعيّ للزهد . وفي الحديث الشريف استُعمل هذا اللفظ غالبا بمعنى عدم الرغبة ، ونادرا بمعنى القلّة . وقد تكفّل هذا القسم بذكر تعاليم أئمّة الإسلام حول الزهد في الدنيا المذمومة ، والسيرة العمليّة لهم في التعامل معها ، وذلك ضمن ستّة فصول . ولكي يكون الباحث على بصيرة أكثر في ملاحظة المطالب الآتية ، نرى من اللازم تقديم توضيحات مختصرة حول اختلاف مفهوم الزهد الإسلاميّ عن الرهبانيّة المسيحيّة ، وفلسفة الزهد ، وطرق تحصيله ، وذلك اعتمادا على نصوص هذا القسم . أولًا تعريف الزهد في بيان الإمام الصادق عليه السلام لجنود العقل والجهل ، اعتبر الزهد في الدنيا من جنود العقل ، وعرّفه بأنّه ضدّ الرغبة في الدنيا ، فقال عليه السلام : الزُّهدُ وضِدُّهُ الرَّغبَةُ . « 2 »

--> ( 1 ) يوسف : 20 . ( 2 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الثالث / الفصل الأوّل : تعريف الزهد وتحريفه : ح 802 ) .