محمد الريشهري
350
حكم النبي الأعظم ( ص )
فَقالَ لَهُ : فَهاكَ هذَينِ الدِّرهَمَينِ فَأَعطِهِما إيّاهُ ومُرهُ أن يَتَّجِرَ بِهِما . قالَ : فَأَخَذَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله ثُمَّ خَرَجَ إلى صَلاةِ الظُّهرِ ، وسَعدٌ قائِمٌ عَلى بابِ حُجُراتِ رَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله يَنتَظِرُهُ ، فَلَمّا رَآهُ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله قالَ : يا سَعدُ ، أتُحسِنُ التِّجارَةَ ؟ فَقالَ لَهُ سَعدٌ : وَاللّهِ ما أصبَحتُ أملِكُ مالًا أتَّجِرُ بِهِ ! فَأَعطاهُ النَّبِي صلى اللّه عليه وآله الدِّرهَمَينِ ، وقالَ لَهُ : اتَّجِر بِهِما وتَصَرَّف لِرِزقِ اللّهِ . فَأَخَذَهُما سَعدٌ ومَضى مَعَ النَّبِيِّ صلى اللّه عليه وآله حَتّى صَلّى مَعَهُ الظُّهرَ وَالعَصرَ ، فَقالَ لَهُ النَّبِي صلى اللّه عليه وآله : قُم فَاطلُبِ الرِّزقَ ، فَقَد كُنتُ بِحالِكَ مُغتَمّا يا سَعدُ . قالَ : فَأَقبَلَ سَعدٌ لا يَشتَري بِدِرهَمٍ شَيئا إلّا باعَهُ بِدِرهَمَينِ ولا يَشتَري شَيئا بِدِرهَمَينِ إلّا باعَهُ بِأَربَعَةِ دَراهِمَ ، فَأَقبَلَتِ الدُّنيا عَلى سَعدٍ فَكَثُرَ مَتاعُهُ ومالُهُ وعَظُمَت تِجارَتُهُ ، فَاتَّخَذَ عَلى بابِ المَسجِدِ مَوضِعا وجَلَسَ فيهِ فَجَمَعَ تِجارَتَهُ إلَيهِ ، وكانَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله إذا أقامَ بِلالٌ لِلصَّلاةِ يَخرُجُ وسَعدٌ مَشغولٌ بِالدُّنيا ، لَم يَتَطَهَّر ولَم يَتَهَيَّأ كَما كانَ يَفعَلُ قَبلَ أن يَتَشاغَلَ بِالدُّنيا ، فَكانَ النَّبِي صلى اللّه عليه وآله يَقولُ : يا سَعدُ ، شَغَلَتكَ الدُّنيا عَنِ الصَّلاةِ ! فَكانَ يَقولُ : ما أصنَعُ ، اضَيِّعُ مالي ؟ ! هذا رَجُلٌ قَد بِعتُهُ فَاريدُ أن أستَوفِيَ مِنهُ ، وهذا رَجُلٌ قَدِ اشتَرَيتُ مِنهُ فاريدُ أن اوَفِّيَهُ . قالَ : فَدَخَلَ رَسولَ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله مِن أمرِ سَعدٍ غَمٌّ أشَدُّ مِن غَمِّهِ بِفَقرِهِ ، فَهَبَطَ عَلَيهِ جَبرَئيلُ عليه السلام ، فَقالَ : يا مُحَمَّدُ ، إنَّ اللّهَ قَد عَلِمَ غَمَّكَ بِسَعدٍ ، فَأَيُّما أحَبُّ إلَيكَ ، حالُهُ الأولى أو حالُهُ هذِهِ ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِي صلى اللّه عليه وآله : يا جَبرَئيلُ ، بَل حالُهُ الأولى ، قَد أذهَبَت « 1 » دُنياهُ بِآخِرَتِهِ . فَقالَ لَهُ جَبرَئيلُ عليه السلام : إنَّ حُبَّ الدُّنيا وَالأَموالِ فِتنَةٌ ومَشغَلَةٌ عَنِ الآخِرَةِ ، قُل لِسَعدٍ
--> ( 1 ) ذهَبَ بِهِ وأذهَبَهُ غيرُه : أزالَهُ . ويُقال : أذهَبَ به . . . وهو قليل ( لسان العرب : ج 1 ص 493 " ذهب " ) .