محمد الريشهري
458
حكم النبي الأعظم ( ص )
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله : وأمّا قَولُكَ : " لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِن الأَرضِ يَنبوعا " إلى آخِرِ ما قُلتَهُ ، فَإِنَّكَ [ قَدِ ] اقتَرَحتَ عَلى مُحَمَّدٍ رَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله أشياءَ : مِنها ما لَو جاءَكَ بِهِ لَم يَكُن بُرهانا لِنُبُوَّتِهِ ، ورَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله يَرتَفِعُ عَن أن يَغتَنِمَ جَهلَ الجاهِلينَ ، ويَحتَجَّ عَلَيهِم بِما لاحُجَّةَ فيهِ . ومِنها ما لَو جاءَكَ بِهِ كانَ مَعَهُ هَلاكُكَ ، وإنَّما يُؤتى بِالحُجَجِ وَالبَراهينِ لِيَلزَمَ عِبادَ اللّهِ الإِيمانُ بِها لا لِيَهلَكوا بِها ، فَإِنَّمَا اقتَرَحتَ هَلاكَكَ ، ورَبُّ العالَمينَ أرحَمُ بِعِبادِهِ ، وأعلَمُ بِمَصالِحِهِم من أن يُهلِكَهُم كَما يَقتَرِحونَ . ومِنهَا المُحالُ الَّذي لا يَصِحُّ ولا يَجوزُ كَونُهُ ورَسولُ رَبِّ العالَمينَ يُعَرِّفُكَ ذلِكَ ، ويَقطَعُ مَعاذيرَكَ ، ويُضَيِّقُ عَلَيكَ سَبيلَ مُخالَفَتِهِ ، ويُلجِئُكَ بِحُجَجِ اللّهِ إلى تَصديقِهِ حَتّى لا يكونَ لَكَ عَنهُ مَحيدٌ ولا مَحيصٌ . ومِنها ما قَدِ اعتَرَفتَ عَلى نَفسِكَ أنَّكَ فيهِ مُعانِدٌ مُتَمَرِّدٌ ، لاتَقبَلُ حُجَّةً ولا تُصغي إلى بُرهانٍ ، ومَن كانَ كَذلِكَ فَدَواؤُهُ عَذابُ اللّهِ النّازِلُ مِن سَمائِهِ ، أو في جَحيمِهِ ، أو بِسُيوفِ أولِيائِهِ . فَأَمّا قَولُكَ يا عَبدَاللّهِ : " لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِنَ الأَرضِ يَنبوعا بِمَكَّةَ هذِهِ ، فَإِنَّها ذاتُ أحجارٍ وصُخورٍ وجِبالٍ ، تَكسَحُ أرضَها وتَحفِرُها ، وتَجري فيهَا العُيونَ ، فَإِنَّنا إلى ذلِكَ مُحتاجونَ " . فَإِنَّكَ سَأَلتَ هذا وأنتَ جاهِلٌ بِدَلائِلِ اللّهِ تَعالى . يا عَبدَاللّهِ ! أرَأَيتَ لَو فَعَلتُ هذا ، أكُنتُ مِن أجلِ هذا نَبِيّا ؟ قالَ : لا . قالَ رَسولُ اللّهِ : أرَأَيتَ الطّائِفَ الَّتي لَكَ فيها بَساتينُ ؟ أما كانَ هُناكَ مَواضِعَ فاسِدَةً صَعبَةً أصلَحتَها وذَلَّلتَها وكَسَحتَها وأجرَيتَ فيها عُيونا استَنبَطتَها ؟ قالَ : بَلى . قالَ : وهَل لَكَ في هذا نُظَراءُ ؟ قالَ : بَلى . قالَ : أفَصِرتَ بِذلِكَ أنتَ وهُم أنبِياءَ ؟