محمد الريشهري
456
حكم النبي الأعظم ( ص )
القَولِ ، أو سَفَها مِنَ الرَّأيِ ؟ أتَظُنّونَ أنَّ رَجُلًا يَعتَصِمُ طولَ هذِهِ المُدَّةِ بِحَولِ نَفسِهِ وقُوَّتِها ، أو بِحَولِ اللّهِ وقُوَّتِهِ ؟ وذلِكَ ما قالَ اللّهُ تَعالى : " انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا " * « 1 » إلى أن يُثبِتوا عَلَيكَ عَمًى بِحُجَّةٍ أكثَرَ مِن دَعاويهِمُ الباطِلَةِ الَّتي تَبَيَّنَ عَلَيكَ تَحصيلُ بُطلانِها . ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله : وأمّا قَولُكَ : " لَولا نُزِّلَ هذَا القُرآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَريَتَينِ عَظيمٍ ، الوَليدِ بنِ المُغيرَةِ بِمَكَّةَ أو عُروَة [ بنِ مَسعودٍ الثَّقَفِيِّ ] بِالطّائِفِ " . فَإِنَّ اللّهَ تَعالى لَيسَ يَستَعظِمُ مالَ الدُّنيا كَما تَستَعظِمُهُ أنتَ ، ولا خَطَرَ لَهُ عِندَهُ كَما لَهُ عِندَكَ ، بَل لَو كانَتِ الدُّنيا عِندَهُ تَعدِلُ جَناحَ بَعوضَةٍ لَما سَقى كافِرا بِهِ مُخالِفا لَهُ شَربَةَ ماءٍ ، ولَيسَ قِسمَةُ رَحمَةِ اللّهِ إلَيكَ ، بَل اللّهُ هُوَ القاسِمُ لِلرَّحَماتِ ، وَالفاعِلُ لِما يَشاءُ في عَبيدِهِ وإمائِهِ ، ولَيسَ هُوَ عز وجل مِمَّن يَخافُ أحَدا كَما تَخافُهُ أنتَ لِمالِهِ وحالِهِ ، فَعَرَفتَهُ بِالنُّبُوَّةِ لِذلِكَ ، ولا مِمَّن يَطمَعُ في أحَدٍ في مالِهِ أو في حالِهِ كَما تَطمَعُ [ أنتَ ] فَتَخُصُّهُ بِالنُّبُوَّةِ لِذلِكَ ، ولا مِمّن يُحِبُّ أحَدا مَحَبَّةَ الهَواءِ كَما تُحِبُّ أنتَ ، فَتُقَدِّمُ مَن لايَستَحِقُّ التَّقديمَ . وإنّما مُعامَلَتُهُ بِالعَدلِ ، فَلا يُؤثِرُ أحَدا لِأَفضَلِ مَراتِبِ الدّينِ وخِلالِهِ ، إلَا الأَفضَلَ في طاعَتِهِ والأَجَدَّ في خِدمَتِهِ ، وكَذلِكَ لا يُؤَخِّرُ في مَراتِبِ الدّينِ وخِلالِهِ إلّا أشَدَّهُم تَباطُؤا عَن طاعَتِهِ . وإذا كانَ هذا صِفَتَهُ لَم يَنظُر إلى مالٍ ولا إلى حالٍ ، بَل هذَا المالُ وَالحالُ مِن تَفَضُّلِهِ ، ولَيسَ لِأَحدٍ مِن عِبادِهِ عَلَيهِ ضَربَةُ لازِبٍ « 2 » فَلا يُقالُ لَهُ : إذا تَفَضَّلتَ بِالمالِ عَلى عَبدٍ فَلابُدَّ [ مِن ] أن تَتَفَضَّلَ عَلَيهِ بِالنُّبُوَّةِ أيضا ، لِأَ نَّهُ لَيسَ لِأَحَدٍ إكراهُهُ عَلى
--> ( 1 ) الفرقان : 9 . ( 2 ) اللازب : الثابت الشديد الثبوت ، ويعبّر باللازب عن الواجب ، فيقال : ضربة لازب ( مفردات ألفاظ القرآن : ص 739 ) ، وفي بعض النسخ " ضريبة " بدل " ضربة " .