محمد الريشهري

150

حكم النبي الأعظم ( ص )

عدم تعارض البداء والعلم الأزلي الإشكال الأهمّ لمنكري البداء هو أنّه لا يتلاءم مع علم اللّه المطلق والذاتي ، يقول الغفّاري حول استناد الشيعة إلى الآية : " يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ " : « 1 » كلامهم هذا باطل ؛ لأنّ المحو والإثبات بعلمه وقدرته وإرادته من غير أن يكون له بداء في شيء ، وكيف يتوهّم له البداء وعنده أمُّ الكتاب وله في الأزل العلم المحيط ؟ وقد بيّن اللّه تعالى في آخر الآية إنّ كلّ ما يكون منه من محو وإثبات وتغيير واقع بمشيئة ومسطور عنده في امِّ الكتاب . « 2 » يجب أن نقول في الجواب : إنّ المقصود من البداء هو : " المحو والإثبات بعلمه وقدرته وإرادته " وإنّ ما تقولونه من أنّ : " المحو والإثبات بعلمه وقدرته وإرادته من غير أن يكون له بداء في شيء " هو جمع للنقيضين ؛ لأنّ معناه أنّ " للّه البداء من غير أن يكون له بداء في شيء " . ومفروض كلام الغفاري أنّ مرجع البداء فيما يتعلّق باللّه هو الجهل ، لذلك يقول : " كيف يتوهّم له البداء وعنده امّ الكتاب وله في الأزل العلم المحيط " . في حين أنّ هذا الفرض خاطئ ومخالف لنصوص أحاديث الإماميّة الّتي نقلناها سابقا ، والتي تصرّح بأنّ البداء يصدر من العلم الإلهي المكنون المخزون ، وأنّ هذا العلم حاكم على جميع البداءات . وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام في هذا المجال : إنّ للّه عِلمَينِ : عِلمٌ مَكنونٌ مَخزونٌ لا يَعلَمُهُ إلّا هُوَ ، مِن ذلِكَ يَكونُ البَداءُ ، وعِلمٌ عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ وأنبِياءَهُ فَنَحنُ نَعلَمُهُ . « 3 » ونقل في حديث آخر عنه عليه السلام : كُلُّ أمرٍ يُريدُهُ اللّهُ فَهُوَ في عِلمِهِ قَبلَ أن يَصنَعَهُ ، ولَيسَ شَيءٌ يَبدو لَهُ إلّا وقَد كانَ في

--> ( 1 ) الرعد : 39 . ( 2 ) أصول مذهب الشيعة : ج 2 ص 949 950 . ( 3 ) الكافي : ج 1 ص 147 ح 8 ، التوحيد : ص 443 .