محمد الريشهري

15

حكم النبي الأعظم ( ص )

الْمُشْرِكُونَ " . « 1 » كلّ ذلك لم يكن ليخفى على الشخصيات الواعية في التاريخ ، أولئك الذين كانوا يعرفون مسار الحقائق ويدركون كيفية نفوذ الفكر والكلام ، سواء في ذلك الذين كانوا يدركون هذه الحقيقة ولكنّهم لا يحتملونها فكانوا يتّخذون موقف العداء والمواجهة ، والذين كانوا يدركون هذه الحقيقة ويحتملونها ويذعنون إليها خاضعين ويحنون رؤوسهم أمام عظمتها . والآن لنتأمّل نموذجا من كلّ واحد من هذين الاتّجاهين : روي أنّ الوليد بن المغيرة وكان من ألدّ أعداء النبيّ صلى اللّه عليه وآله قال بعد سماع آيات من القرآن : واللّه قد سمعت من محمّدٍ آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّه ليعلو ولا يُعلى عليه . « 2 » وقال أنيس بن جنادة ، الذي كان من أبلغ شعراء العصر الجاهلي ومن جملة نقّاد محافل الشعر في ذلك العصر ، بعد التصريح بأنّه وضع الكلام الذي جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله على ميزان النقد مع أبلغ الأشعار والأقوال : فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شعر ، واللّه إنّهُ لصادق وإنّهم لكاذبون . « 3 » وهكذا فقد أذعن أصحاب القلوب الطاهرة أمام الحقّ ، وتحلّقوا كالفراشات حول شمعة وجود النبيّ صلى اللّه عليه وآله ، واستماتوا في الدفاع عنه . وأمّا أصحاب القلوب المريضة والنفوس المظلمة فقد اصطفّوا في ذلك العصر وما بعده وعلى مرّ التاريخ معلنين الحرب على تعاليمه السامية ، وسعوا بأساليب مختلفة من أجل النيل من شخصيّة النبيّ صلى اللّه عليه وآله وتحريف وقلب صورته الجميلة ، ولم يألوا جهدا منذ أقدم العصور حتّى القرون الأخيرة ، حيث ظهرت واتّسعت دراسات المستشرقين وبحوثهم في

--> ( 1 ) التوبة : 33 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 5 ص 387 . ( 3 ) الإصابة : ج 3 ص 339 ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى : ج 1 ص 371 .