محمد عبد العزيز الخولي

31

الأدب النبوي

الوقوع في المعاصي أقرب ، وقد جاء في الرواية الثانية أن من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه أي من حذرها طلب البراءة والسلامة لدينه بالتحرز من المعصية ، وتحامى « 1 » المنطقة التي دونها ، وكذلك طلب البراءة لعرضه ، فلا يتهمه الناس بمقارفة « 2 » المعاصي وانتهاك الحرمات ، وكيف ؟ ولم يقارب الشبهات ، فأنى يتهم بالمحرمات ؟ . وفي الرواية الثانية : أن في الجسد مضغة صلاحها صلاح للجسد كله ، وفسادها فساد له ، تلك المضغة هي القلب موزع الدم في عروق الجسم ، ومصلحه بعد فساده والمراد به هنا العقل الذي لا يعمل إلا بحرارة الحياة المنبعثة من الدورة الدموية ، ولا ريب في أن صلاح العقل ، واستقامته في الإدراك والتفكير ، ووزنه الأشياء بميزان الحقيقة ، وتحريه « 3 » الإنصاف في أحكامه يترتب عليه صلاح الأعضاء كلها ، فلا تصدر إلا خيرا ، ولا تعمل إلا صالحا ، ولا تقول إلا حسنا ، لأنه الحاكم عليها ، والرئيس بينها ، وإذا صلح الرئيس صلحت الرعية . أما إذا فسد العقل ، واختل نظام التفكير ، وغلبه على ملكه باعث الشهوة ، وسلطان الهوى فسد سائر الأعضاء فلا يصدر غير الشر ، إذ حكمة العقل مفقودة ، وحركته مشلولة ، وهل إذا أصيب القلب تسلم الحياة ، ويصح الجسد ؟ كلا . كذلك العقل في مرضه مرض القوى كلها ، فربوا العقول ، وعودوها التفكير المستقيم ، والحكم الصحيح ، وحذار أن تهملوها ، ولا تغذوها بالنظر والبحث ، فتفقدوا الانتفاع بقوى الجسم التي تستطيعون بها أن تسخروا العالم كله لخدمتكم . فالحديث يحذرنا من الشبهات ، والوقوف في مواقف الرّيب « 4 » ، ويدعونا إلى الاحتراس وبعد النظر ؛ ويحضنا على تخليص الدّين من الشوائب . وإبعاد العرض من المثالب « 5 » ؛ بتجنب أسبابها ، ويدعونا إلى تنمية العقل ؛ وترقية التفكير لتكون الأعمال منظمة ؛ طيبة العاقبة .

--> ( 1 ) تحامى : اجتنب وابتعد . ( 2 ) المقارفة : الارتكاب والفعل . ( 3 ) تحريه ، تحرّى : توخّى وقصد . ( 4 ) الرّيب : ج ريبة : وهي التهمة . ( 5 ) المثالب : ج مثلبة : العيب .