محمد عبد العزيز الخولي

301

الأدب النبوي

فمن خذلان اللّه للعبد أن يعمي بصيرته فيتقرب إلى الرؤساء والعظماء بفعل ما يحبون ، وإن أغضب المولى واستوجب مقته وعقابه ، ابتغاء وظيفة أو مال أو جاه ، ولا يدري أن اللّه يحرمه ما رغبه ويحول بينه وبين أمنيته ، فلا دنيا أصاب ولا دينا أقام ، وقد يجلس إلى عظيم أو رئيس فيفيض في الحديث فإذا سمع منادي الصلاة فضّل الاستمرار في حديثه على إجابة دعاء اللّه ، وربما تمادى في السمر « 1 » حتى يؤذن الوقت بالخروج فيرضي المخلوق ويغضب الخالق وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ « 2 » وقد يجلس في حفل من الأصدقاء والخلان لا ينطقون إلا بفاحش القول ولا يتناجون إلا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، وقد يلعبون الميسر أو يحتسون « 3 » الخمر فيغالي في ملاطفة إحساسهم ، وإقرارهم على سوء ما يفعلون ، وقد يحبذ « 4 » لهم ما يصنعون ، وكان الواجب أن ينكر عليهم آثامهم ، أو يفارق محلهم لعلهم يرعوون وإلى ربهم يتوبون ؛ ولكنه يراعي جانب العبد ويهمل جانب الرب . وقد يدعوه رئيسه إلى عمل يتقرب به إلى رؤسائه وفيه إثارة فتنة ، ومجلبة محنة من انتقاص لحق ، أو ظلم لخلق ، فيسارع إلى تنفيذه ويبادر إلى إجابة وحيه ، وإن كان في ذلك إهلاك الحرث والنسل والشر المستطير « 5 » . ألا وأن علامة الإيمان أن تفعل ما يرضي اللّه ، وإن أسخط المخلوق وأن تكون أوامره أول ما تسمع وتلبى ، ونواهيه في مقدمة ما تجتنب ، فإن من سعى في مرضاة اللّه كان اللّه في عونه ، وكفاه شر خلقه . ومن سعى في مرضاة خلقه باغضاب ربه حجب عنه معونته ، وأسلمه إلى نفسه ، وقد قال تعالى : أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 6 » وصلّى اللّه تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

--> ( 1 ) السّمر : الحديث بالليل والحكايات التي يسمو بها . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 62 . ( 3 ) يحتسون : حسا الرجل الحساء ونحوه : تناوله جرعة بعد جرعة . ( 4 ) يحبذ : حبذ الأمر : مدحه وفضّله . ( 5 ) المستطير : الكبير والعظيم . ( 6 ) سورة التوبة ، الآية : 13 .