محمد عبد العزيز الخولي

233

الأدب النبوي

تعالى فجاء ثلاثة منهم إلى أزواجه يسألون عن كيفية عبادته في السر ومقاديرها ، فلما علموا أنها لا تزيد على عبادتهم وجدوها قليلة بالنسبة إليهم . لا تفي بما يبغون الحصول عليه من الزلفى ورأوا من وعد اللّه غفران ذنوب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما تقدم منها وما تأخر ما يغنيه عن كثرة العبادة ، وأنهم دونه في ذلك بمراحل كبيرة ، وفي حاجة إلى مداومة الطاعة والإكثار منها . فأخذ كل على نفسه أن يلازم نوعا من العبادة لا ينقطع عنه ، فرأى أحدهم أن يجافي جنبه عن المضاجع ليلا ويصرف جميع لياليه أبدا في العبادة فلا يعطي نفسه حظها من النوم والراحة ، لأن السهر في ذكر اللّه يصفي الفكر ، ويرفق الذهن ، والنوم يدعو إلى الكسل والتراخي ويبلد النفس . ورأى آخر أن يصوم الدهر ولا يفطر ، لأن الصيام يكبح « 1 » جماح « 2 » شهواته ويكسر شره نفسه وينفي ما خبث من طباعه ويغسل ما دنس من أخلاقه ، ويجعله يستشعر الرحمة والرأفة بالضعفاء والفقراء والمساكين . ورأى آخر أن يعتزل النساء فلا يتزوج ، لأن ذلك يبعده عن الاشتغال بالدنيا وملاذها وينسيه عبادة اللّه حيث يشغله أمر معاشه والسعي على أولاده وتربيتهم والنظر في أمورهم من التفرغ للطاعة . فلما بلغ ذلك الرسول صلى اللّه عليه وسلم خطب المسلمين منبها إلى خطأ ما عزم عليه هذا النفر ؛ وإلى أن التقرب إلى اللّه لا يكون بتحميل النفس فوق طاقتها وإجهادها بالشاق من الطاعات بل إن خير الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قل ، وأنهم يوشكون أن يوقعوا أنفسهم في عجز وضعف لا يقوون معهما على أدنى أنواع العبادات فضلا عن أعلاها فيكونون كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى . وخير لهم أن يترفقوا بأنفسهم ليستديموا الطاعة ويتمتعوا بما أحله اللّه لهم من الطيبات ، إذ لا رهبانية « 3 » في الإسلام . ولقد كان من آدابه صلى اللّه عليه وسلم إذا رأى شيئا يكرهه وخطب في شأنه ألا يعين فاعله ولا يواجهه بما يكره ولا يسميه باسمه على رؤوس الملأ . بل يقول : ما بال رجال أو ما بال أقوام لأن المقصود وهو الزجر عما اعتزموا عليه يحصل لهم ولغيرهم ممن سمع

--> ( 1 ) يكبح : يمنع ويرد . ( 2 ) جماح : جمح الرجل : ركب هواه فلا يمكن رده . ( 3 ) رهبانية : هي التخلي عن أشغال الدنيا ، وترك ملاذها ، والزهد فيها والعزلة عن أهلها .