محمد عبد العزيز الخولي

226

الأدب النبوي

فَضْلِهِ « 1 » ، إذ الحياة الحقة أن تعيش مرفوع الرأس موفور الكرامة في قولك وتصرفك وقلمك ورأيك واعتقادك ، أن تعيش في أمة لا سلطان لأحد عليها . ولا من يتحكم في رقابها وحقوقها وأموالها رأيها المحترم وقولها النافذ ، ومصلحتها المقدسة ، ولن يعيش في أمة هذا وصفها إلا من بذل نفسه في الذود « 2 » عنها وكرّس حياته في جلب الخير لها ، ودفع الضرر عنها . هذا هو الكريم حقا ، هذا هو الشجاع صدقا ، هذا هو الجواد بلا ريب . والجود بالنفس أقصى غاية الجود . تأخرت استبقي الحياة فلم أجد * لنفسي حياة مثل أن أتقدما أما الذي يبخل بماله عن نفسه فلا ينفقه في سبيل ترفيهها وإسعادها وتهذيبها وسد حاجتها وتقديم الطيبات لها ، أو يبخل به عن الفقراء والمساكين ، والعجزة والمقعدين ، والمنكوبين والملهوفين ، أو يبخل به عن الجهاد ، ومناجزة الأعداء ، ومصالح الأمة العامة ، الذي يبخل بماله عن ذلك ويحبسه في خزائنه إنما يسعى في هلاك نفسه والقضاء على أمته . وما يبغي من يكنز أمواله عن حقوقها ؟ أفيطمع أن يأخذه معه إلى جدثه « 3 » ؟ أو ينفق منه في عالم الغربة والوحدة ؟ أينفعه إذ ما وقف أسرع الحاسبين . واشتد الكرب وهال « 4 » الخطب ؟ كلا لن ينفع الإنسان بعد وفاته ما له إذا لم يكن من عمله منقذ وناصر ، بل يكون شرا عليه ونكالا لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ « 5 » ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ « 6 » والمؤمن الصادق من بذل في سبيل الدين نفسه وفي إعلاء شأن أمته ماله .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآيتان : 169 ، 170 . ( 2 ) الذود : الدفاع والتضحية . ( 3 ) جدثه : قبره . ( 4 ) مال : خاف ورعب وفزع . ( 5 ) سورة آل عمران ، الآية : 180 . ( 6 ) سورة التوبة ، الآيتان : 34 ، 35 .