محمد عبد العزيز الخولي
197
الأدب النبوي
وإذا كان الحسد كله شرا كان قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين من قبيل الاستثناء المنقطع . فلا حسد محمود أو جائز مطلقا ، لا في مال أو علم ، ولا في منصب أو جاه ولا في غير ذلك من أنواع النعم . سواء رجوت النعمة الزائلة لك أو رجوتها لغيرك . ولكن هناك خصلتان محمودتان ليستا من وادي الحسد . أو نقول : إن الحسد هنا يراد به الغبطة مجازا . فمعنى العبارة لا غبطة إلا في هاتين الخلتين . فحصر الغبطة فيهما مع أنها تكون في غيرهما بيانا لعلو درجتهما وعظيم منزلتهما . وأنهما وحدهما الجديرتان بالغبطة دون غيرهما من صنوف النعم . فالخلة « 1 » [ حفظ القرآن وفهمه ] الأولى الجديرة بالتمني ، الحقيقة بالجدّ في إدراكها ، والسعي في نوالها خلة رجل من اللّه عليه بالقرآن ، فوهبه حفظه ، وعلم ما تضمنه . من حلال وحرام وحكم وأحكام ، وقصص وأخبار ، وآداب وأخلاق . فذاق حلاوته وعرف مكانته ، فحرص عليه الحرص كله ، وعض عليه بالنواجذ واتخذه سميره وجليسه وخليله وأنيسه ، فهو يتلوه آناء الليل . وآناء النهار . فلسانه به رطب ، وقلبه حي ، وعقله في نمو وعلو ، ونفسه مهتدية بهديه ، ومقتفية لأثره ، يفصل به في المشكلات ويحكم في المنازعات ، ويقضي على الشبهات ، يفتي به المستفتين ، ويفض شجار المتنازعين يدعو الناس إليه . ويحثهم على أن يقرئهم آية ، ويعلمهم أحكامه ، يعظهم بعظاته : ويهداهم بكلماته . يبشرهم بما فيه من النعيم ويحذرهم عذاب الجحيم ، فهو به عليم ، ولأمره سميع ، ولآية قارىء ، وبأحكامه فاصل ، ولما فيه ناشر . فأورثه ذلك الحكمة التي يزن بها الأمور بميزان الحق . ويقول فيها القول الفصل : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ « 2 » . نعم من أوتي القرآن أوتي خيرا كثيرا . أوتي صحة في جسم وطهارة في نفس ، وكمالا في عقل ، وسعة في مال ، وعزة في تواضع . وشدة في رحمة ، ورسوخا في علم ، وصدقا في قول ، وما يذكر بما يسمع إلا ذوو العقول الراجحة ، والألباب الناضجة ، فأولئك إذا سعد جدهم بجار علّمه اللّه القرآن ، ووفقه لتلاوته ليله ونهاره يتمنون أن يؤتوا مثل ما أوتي من الذكر الحكيم ، وأن يوفقوا لتلاوته كما وفق ،
--> ( 1 ) الخلة : الخصلة . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 269 .