محمد عبد العزيز الخولي
193
الأدب النبوي
ومن قتل دون أهله فهو شهيد » « 1 » . وظاهر الحديث أن درجة القاتل والقتيل في العذاب بالنار سواء ، لأن كلا منهما بذل منتهى جهده لقتل صاحبه ، غاية الأمر أن ضربة أحدهما نفذت قبل الآخرى . وقيل : بل درجتهما مختلفة ، فالقاتل يعذب على القتال والقتل ؛ والقتيل يعذب على القتال فقط ؛ فعذاب القاتل أطول أو أشد . وقد اختلف العلماء سلفا وخلفا في القاتل إذا تاب أتنفع توبته ، فتدرأ عنه العذاب أم لا تنفع ؟ قال جماعة بالثاني منهم ابن عباس وزيد بن ثابت ؛ مستدلين بقوله تعالى في سورة النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ . . . « 2 » إلخ ، وقال كثيرون بالنفع لقوله تعالى في صفة عباد الرحمن وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً . يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً . إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً « 3 » ، وقالوا : إن هذا الاستثناء مراعى في آية النساء ، وكذلك اختلفوا في القصاص . فمن قائل : إنه لا يدفع الإثم مستدلا بقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « 4 » ، فإنه يفيد أن القصاص لمصلحة الناس فحسب ، وذلك بردع « 5 » بعضهم عن بعض ؛ أما القتيل المظلوم فلا يزال حقه باقيا يأخذه يوم القيامة ، ومن قائل : إنه يدفع الإثم لأن جزاء السيئة سيئة مثلها ، ولقوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت بعد ذكر القتل وجرائم أخرى « ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له » . رواه البخاري . وقد استدل بالحديث على أن قصد الجريمة ، والعزم عليها والتصميم يعاقب به المرء وإن لم تقع منه الجريمة . إذ علل عقاب القتيل في الحديث بأنه كان حريصا على قتل صاحبه ، والحرص فرط الإرادة كما بينت لك في اللغة . وفي رواية : إنه أراد قتل
--> ( 1 ) رواه أبو داود في كتاب : السنة ، باب : في قتال اللصوص ( 4772 ) . ورواه الترمذي في كتاب : الديات ، باب : ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد ( 1421 ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية : 93 . ( 3 ) سورة الفرقان ، الآيتان : 68 - 70 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 179 . ( 5 ) بردع : زجر ومنع .