محمد عبد العزيز الخولي
175
الأدب النبوي
ذلك . بل العلة هنا أشد تحققا . فإن انفراد جمع بالمناجاة من دون واحد أشد إيغار لصدره . وبدل أن يكون النفور من شخصين يكون من أكثر . فالأثر أفحش . فكان بالمنع أجدر وكأن الحكمة في تخصيص الثلاثة بالذكر أنها أول عدد يتصور فيه المعنى . فما كان مثله في تحقيق العلة ألحق به ، وإن كان المجلس مؤلفا من أربعة فأكثر . وكان الباقي بعد من يتناجي اثنين فأزيد جازت النجوى . إذ يمكن الباقين التانس والتناجي . ويدل على ذلك قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « حتى تختلطوا بالناس » ، وعمل ابن عمر راوي الحديث . فإنه كان إذا أراد أن يسار رجلا وكانوا ثلاثة دعا رابعا . وقال للاثنين . استريحا شيئا فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا . . . » إلخ . ويؤيده أيضا ما رواه البخاري عن عبد اللّه قال : قسم النبي صلى اللّه عليه وسلم يوما قسمة . فقال رجل من الأنصار . إن هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه . قلت : أما واللّه لآتين النبي صلى اللّه عليه وسلم فأتيته وهو في ملأ ، فساررته ، فغضب حتى احمر وجهه ، ثم قال : « رحمة اللّه على موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر » « 1 » . نعم لو كان الباقون تحزنهم المناجاة تركت لوقت آخر . ما لم تكن في أمر مهم لا خطر فيه ، ولو تسارا الحديث اثنان . فقدم عليهما ثالث . أو كان بحضرتهما ثالث لا يسمع جهرهما لا يقرب منهما ليتسمع حديثهما إلا بإذنهما . روى البخاري في ( الأدب المفرد ) عن سعيد المقبري قال : مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث . فقمت إليهما . فلطم صدري . وقال : إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما . وذكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن ذلك ، والنهي في رواية « يتناج » يدل على التحريم . ما لم يكن رضا من المنفرد ، وآية الرضا إذنه بالتناجي ، والنفي في الرواية الآخرى بمعنى النهي . 69 - باب : الاحتراس من النار وتغطية الآنية عن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اطفئوا المصابيح باللّيل إذا رقدتم ، وأغلقوا الأبواب وأوكئوا الأسقية ، وخمّروا الطّعام والشراب » ، وفي رواية زيادة : « واكفتوا صبيانكم عند المساء فإنّ للجنّ انتشارا وخطفة » .
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب : الأدب ، باب : الصبر في الأذى ( 6100 ) .