محمد عبد العزيز الخولي
157
الأدب النبوي
والحديث ورد بصيغة الخبر ( برفع يلدغ ) وبصيغة النهي ( بكسر يلدغ ) ، فعلى الأول هو إخبار في معنى الأمر أي ليكن المؤمن حازما حذرا . كيسا فطنا لا يؤتى من ناحية الغافلة . فيلدغ مرة بعد أخرى في أمر الدّين أو الدنيا . أو هو إخبار عن شأن المؤمن الكامل الذي أوقفته تجاربه على غوامض الأمور . وأنه دائما يعتبر في المستقبل بحوادث الماضي ؛ وأما المؤمن المغافل « 1 » فقد يلدغ مرارا ؛ وعلى أنه نهي فمعناه ما قال شارح المشكاة : إنه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى من نفسه الزكية الكريمة الميل إلى الحلم والعفو عن أبي عزة جرّد منها مؤمنا كاملا ؛ حازما ذا شهامة ، ونهاه عن الانخداع ، وكأنه قال له : ليس من شيمة المؤمن الحازم الذي يغضب للّه ، ويذب عن دينه أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد مرة بعد أخرى . فانته عن حديث الحلم ؛ وامض لشأنك في الانتقام منه والانتصار من عدو اللّه : فإن مقام الغضب للّه يأبى الحلم والعفو ؛ ومن أوصافه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان لا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة اللّه ؛ فينتقم لها ؛ وقد ظهر من هذا أن الحلم مطلقا غير محمود كما أن الحرد « 2 » كذلك . فمقام التحلم مندوب إليه ولكن مع المؤمنين ، وأما الأعداء فلهم الغلظة ، ألا ترى قوله تعالى في وصف الصحابة : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ « 3 » . ولعلك عرفت بهذا أن الإيمان لا يتفق والغافلة ، بل يقتضي الحذر والحيطة « 4 » . وأن أولئك الذين يضحك عليهم ، ولا يتعظون بالماضي ، ولا يستفيدون من التجارب لم يكمل الإيمان بعد في نفوسهم . وإن كانوا قائمين برسوم العبادة . فالمؤمن كيس حذر ، من خلقه الاعتبار بكل بلاء . ولعلّ مستمد هذا الحديث من القرآن قوله تعالى حكاية عن يعقوب هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ « 5 » ، وقوله تعالى في وصف المنافقين أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ « 6 » .
--> ( 1 ) أي من لا فطنة له . ( 2 ) الحرد : الاعتزال والتنحي عن الناس . ( 3 ) سورة الفتح ، الآية : 29 . ( 4 ) الحيطة : الاحتياط . ( 5 ) سورة يوسف ، الآية : 64 . ( 6 ) سورة التوبة ، الآية : 126 .