محمد عبد العزيز الخولي

150

الأدب النبوي

وكما أن الصدق أسّ الفضائل فإن الكذب أسّ الرذائل ، به يتصدع « 1 » بنيان المجتمع ، ويختل سير الأمور ، ويسقط خدنه « 2 » من العيون ، لا يصدقونه في قول ولا يثقون به في عمل . ولا يحبون له مجلسا . أحاديثه منبوذة ، وشهادته مردودة لذلك نهى عنه الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وفي القرآن كثير من الآيات . المقبّحة للكذب ، المنفّرة منه : المتوعدة عليه بالعذاب الشديد وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ . مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 3 » . إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ « 4 » ، والكذب إنما يجري مجرى الصدق . فيكون في القول ، والعقيدة ، والعمل فقول ما لا يطابق الضمير أو الواقع أو هما معا ، أو لا يوافق النية كذب . واعتقاد ما لا يساير الوجود كذب ، والرياء في الأعمال وإلباسها لباسا غير لباسها النفسي كذب . وقد بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن الكذب يهدي إلى الفجور ، ويبعث إلى الشر . ويهتك ستر الديانة ، فإذا بصاحبه مرتطم « 5 » في المعاصي : متهالك عليها « 6 » ، وهل الشرك واتخاذ الند الذي هو أكبر جريمة إلا كذب ، وهل النفاق الذي هو شر من الكفر الصريح إلا كذب ، وكذلك الغش في المعاملة ، ونية الإخلاف في المواعيد والمراآة في الأعمال كلها من ضروب الكذب ، وبين صلى اللّه عليه وسلم أن الفجور يهدي إلى النار ، ويرمي بصاحبه إلى الدرك الأسفل وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ . يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ « 7 » ، وكما أن الأعمال الحميدة . بتحريها وتعودها تتكون الأخلاق العالية ، التي هي مصدر الخيرات ، كذلك الأعمال السيئة إذا تحراها الإنسان وتعودها . وضري بها كونت في نفسه الأخلاق السيئة . التي هي مصدر الشرور والآثام . فمن سمح لنفسه بكذبة مرة . وأتبعها بأخرى . وعززها بثالثة . فرابعة . وهكذا أصبح الكذب خلقا له ، وصار الكذاب المهين . فلتجنبها نفسك وإلا تصبح خلقك أو طبعك ، دع المحارم ، وإن

--> ( 1 ) يتصدّع : تصدّع القوم : تفرقوا . ( 2 ) خدنه : الخدن : الصديق . ( 3 ) سورة النحل ، الآيتان : 116 ، 117 . ( 4 ) سورة النحل ، الآية : 105 . ( 5 ) مرتطم في المعاصي : واقع في المعاصي . ( 6 ) تهالك عليها : شديد الحرص عليها . ( 7 ) سورة الانفطار ، الآيتان : 14 ، 15 .