محمد عبد العزيز الخولي

132

الأدب النبوي

الشرح : قال اللّه تعالى : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ « 1 » ، فنهى تعالى عن طاعة الهماز الطعان ، العياب المغتاب ، الذي يمشي بين الناس بالوشاية والإفساد ، لأنه باعث الفتن ، وزارع الإحن ، ومقطع الصلات ، ومفرق الجماعات ، يجعل الصديقين عدوين ، والأخوين أجنبيين ، والزوجين متنافرين ، والولد حربا لأبيه ، والأب ضد لبنيه ، فهو غراب بين ، ونذير شر ، وحمال حطب ، ومشعل لهب . فكانت طاعته حراما . ونهيه لزاما . فإياك أن تأخذ قوله مسلما . وترتب عليه عداء وتخاصما ؛ فإنه فاسق . وقد أمرنا اللّه تعالى بالتثبت في خبره والتحري عن صدقه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ « 2 » ، بل إن كنت مؤمنا كريما فلا تشغل نفسك بحديث الأنمّاء ، ولا تضيع من وقتك في تسمع أخبار السفهاء . وظن الخير بإخوانك وأقربائك واتهم النمام الجهول ؛ بل قبح له عمله وبغض إليه نمّه وقل له لا تفسد بيني وبين إخواني ، ولا تبغض إلى أعواني ، وخير لك أن تذكر ما يزيد الصلة متانة . وعرا الإخاء وثاقة ، وإن من ينقل عن غيرك إليك أحاديث السوء ، ينقل عنك إلى غيرك . فلا تجعله موضعا لثقتك ، واجعل وشايته دبر أذنك . واعلم أن نقل الأنباء قد تكون فيه مصلحة شرعية ، ومنفعة عمومية . كمن ينقل إلى شخص مكيدة « 3 » يدبرها له الخصوم من قتل أو سرقة ؛ وكمن يعرّف الأئمة والملوك سيرة الحكام الظالمين ، والموظفين الخائنين ، فهذا لا حرج فيه بل ذلك واجب ، حقنا للدماء « 4 » ، والأموال ، ونصحا للرعية والولاة . والدّين النصيحة . وقد بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن الجنة لا يدخلها قتات ، لأنها دار المتقين ، وهذا من المجرمين ، ما لم يكن له من الحسنات ما يمحو أثر السيئات ، أو الغرض من العبارة التحذير من القت ، والتنبيه إلى خطر النم ؛ أو المراد : لا يدخلها أول الأمر . حتى يطهّر بالنار من خبث الوزر ؛ ثم يدخلها طاهرا طيبا .

--> ( 1 ) سورة القلم ، الآيتان : 10 ، 11 . ( 2 ) سورة الحجرات ، الآية : 6 . ( 3 ) مكيدة : خديعة . ( 4 ) حقنا للدماء : حقن دم فلان : منعه أن يسفك .