محمد عبد العزيز الخولي
105
الأدب النبوي
عزمه . فتضره ولا تنفعه . وإذا قابلت من تزوج حديثا فبشره بالحياة الطيبة ؛ والذرية المباركة ؛ ولا تقل له : زوجك هذه من أسرة خلقها كيت وكيت . أو هي لا تحسن إدارة منزل ؛ ولا خدمة زوج ؛ وقد خطبها فلان ورغب عنها ؛ مما يدل على حماقتك وقصر نظرك ؛ وأنك لا تقدر المواقف قدرها . وإنما ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلم التنفير بجانب التبشير دون الإنذار الذي هو قرينه لأن الإنذار غير منهي عنه ، إذ كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم مبشرا ونذيرا لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً . ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً « 1 » ، والقرآن من سننه قرن النعيم بالجحيم . وأن الأول : للمتقين ، والثانية : للمجرمين ؛ فكيف ينهى الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن سنته وطريقته ، وعن سلوك منهج القرآن ؟ لذلك نهى الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن التنفير دون الإنذار . وأن للتبشير مقاما . وللإنذار مقاما . فالإنذار مقاما . فالإنذار لمن لا يقيمه على الصراط الإبراق والإرعاد . والتبشير لمن يحركه إلى العمل بارق الأمل ، وكلاهما محمود . أما التنفير فإنه ممقوت ما دام يبعد عن الحق ، ويرغب عن الخير ، فإن كان مبعدا عن الرذيلة فذلك الإنذار المحمود ، وإذا كان للإنذار مقام ، وللتبشير مقام ، لم يكن الأمر بالتبشير نهيا عن الإنذار لاختلاف الوجهة ، ومن التنفير إذا كنت مدرّسا أن تحدث الطلبة بطول المقرر وصعوبته ، وأنه لا أمل في الإحاطة به ، أو أن تبدأهم بالمسائل الصعبة والأبواب العسرة . بل تحدثهم بسهولة المقرر ، وأن الإرادة الماضية تحيط به في يسير من الوقت ، وتأخذ بهم من الأسهل إلى السهل ، فالصعب ثم الأصعب وكذلك كل من تولى مع آخرين عملا مهما ؛ يسهل عليهم أمره ؛ ويتدرج بهم فيه ، حتى يبلغوا غايته ، وكل هذا من الحكمة . 3 - وأمرهما بالتطاوع ، ونهاهما عن التخالف . لأن التطاوع قوة وألفة والتخالف ضعف ونفرة . فما دام الأمر في معروف فليطعه . فإن رأى غير ما رأى تباحثا في وجوه الاختلاف ، ومحّصا « 2 » المسألة ، ثم أصدرا عن اتفاق تلك نصيحة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأبي موسى ومعاذ . وجدير بكل من بعث واليا ، وعيّن حاكما ، على إقليم من الأقاليم أن يضع هذه النصيحة نصب عينيه لينجح في إدارته ، ويعلو في ولايته .
--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآيتان : 2 ، 3 . ( 2 ) محّص المسألة : كشفها وتمعن فيها .