د حافظ أحمد عجاج الكرمي
95
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
تقول : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض ، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل ، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر » « 1 » وقد يتبادر إلى الذهن أن الوزارة كوظيفة إدارية كانت معروفة في زمن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن يبدو أن ما ورد من روايات في ذلك لم تعد كونها معاني عامة لكلمة وزير المعروفة قديما ، والتي وردت على لسان موسى عليه السّلام : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي [ طه : 29 ، 30 ] « 2 » أما الوزارة كوظيفة إدارية ثابتة فنشأت فيما بعد ، وتبلورت في زمن العباسيين « 3 » ، ولذا قال الحاكم ( ت 405 ه ) عبارته الدقيقة : « كان أبو بكر . . مكان الوزير » « 4 » فهو يعمل عمل الوزير دون أن يسمى وزيرا ، قال ابن خالدون ( ت 808 ه ) : « كان يشاور أصحابه ، ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة ، ويخص أبا بكر بخصوصيات أخرى ، حتى كان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها من كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره ، ولم يكن لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب الملك بسذاجة الإسلام » « 5 » وبهذا المعنى كان أبو بكر يفوض عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في بعض القضايا ، فقد روى البخاري ( ت 256 ه ) أن امرأة أتت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وطلبت أن تعود ، فقال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن لم تجديني فأتي أبا بكر » « 6 » . ويفيد النص أن أبا بكر كان يفوض من قبل النبي صلّى اللّه عليه وسلم في تصريف شؤون الدولة وتلبية حاجات المواطنين . لقد أشارت المصادر إلى مجموعة من الوظائف الإدارية المرتبطة برئيس الدولة ( منها : أن بعض المسلمين كان يعمل حاجبا لرسول اللّه ) فكان يقوم هؤلاء بالإذن عليه في بعض الأوقات ، وهناك إشارات تبين أن سفينة ورباح الأسود ( من موالي رسول اللّه ) وأنس بن مالك ( ت 91 ه ) قاموا بهذه المهمة بتكليف من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « 7 » . ولكن يلاحظ أن « الحجابة » هذه لم تكن لها مراسيم وأعراف أو أنظمة معقدة . بل كان
--> ( 1 ) الترمذي ، الصحيح ( ج 13 ، ص 142 ) . قال : « هذا حديث حسن صحيح » . انظر : الخزاعي ، تخريج الدلالات ( ص 40 ) . ( 2 ) قال الأصفهاني : « الوزير من الوزر وهو الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل ، والوزير : المتحمل ثقل أميره وشغله ، انظر : الأصفهاني ، المفردات ( ص 521 ) . ( 3 ) انظر تفاصيل ذلك في : الماوردي ، الأحكام السلطانية ( ص 22 - 29 ) . ( 4 ) الحاكم ، المستدرك ( ج 3 ، ص 63 ) . ( 5 ) ابن خالدون ، المقدمة ( ص 237 ) . ( 6 ) البخاري ، الصحيح ( ج 5 ، ص 5 ) . ( 7 ) انظر : الطبري ، تاريخ ( ج 3 ، ص 171 ، 172 ) . ابن عبد البر ، الاستيعاب ( ج 1 ، ص 109 ) . ( ج 2 ، ص 487 ) . الخزاعي ، تخريج الدلالات ( ج 1 ، ص 51 ) . الكتاني ، التراتيب الإدارية ( ج 1 ، ص 21 ) .