د حافظ أحمد عجاج الكرمي
90
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
هؤلاء « وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها » « 1 » وبذلك أمّن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كل السبل لحماية المدينة وسكانها . واعتبرت المدينة حرما فنصت الصحيفة « وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا اثم ، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها » « 2 » والحرم لا يحل انتهاكه وبذلك أصبحت المدينة بحدودها - وهي يومئذ تمثل دولة الإسلام - محرمة كما هي مكة . ثم جعلت الصحيفة النبي صلّى اللّه عليه وسلم الرئيس الأعلى للدولة فهو يفصل في الخصومات الداخلية « وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى اللّه عزّ وجل وإلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وإن اللّه على أتقى ما في هذه الصحيفة » « 3 » . ويلاحظ أن الصحيفة ختمت بتأكيدات أخرى وجب الالتزام بها « وأن اللّه على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره » « 4 » ، ثم أمّن أهل الصحيفة جميعا « وأنه من خرج امن ومن قعد امن إلا من ظلم وأثم ، وأن اللّه جار لمن بر واتّقى ، ومحمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » « 5 » . ويفترض أن يكون زمن انتهاء مفعول هذه الصحيفة هو بعد غزوة الخندق ( سنة 5 ه ) إذ بعدها أخرج الرسول صلّى اللّه عليه وسلم اخر قبائل اليهود بني قريظة ( سنة 5 ه ) فلم يعد معنى للحلف مع اليهود ، كما أن صلح الحديبية ( سنة 7 ه ) فتح الباب أمام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم للتحالف مع من شاء من القبائل « 6 » ، وبعد فتح مكة ( سنة 8 ه ) توسعت الدولة لتشمل الجزيرة العربية كاملة وهذا يتطلب اخر عاما لا تنظيما إقليميّا محليّا . ويتضح مما سبق أن إدارة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في المدينة كانت تهدف إلى تكوين أمة مترابطة ، للأفراد فيها حرية العمل وإبداء الرأي ، وللسلطة المركزية حق إدارة الأمن والقضاء والحرب والسلم على أن تكون التقوى والأخلاق الفاضلة أساس أعمالهم وتصرفاتهم . وبهذا النص المكتوب استكملت عناصر تكوين الدولة وفق مفهوم الدولة الحديث القائم على أركان ثلاثة هي : الأمة والأرض والسيادة الداخلية والخارجية على أرضها وشعبها .
--> ( 1 ) م . ن ، فقرة ( 43 ) ، ( ص 62 ) . ( 2 ) م . ن ، فقرة ( 39 - 41 ) ، ( ص 62 ) . ( 3 ) م . ن ، فقرة ( 42 ، 62 ) . ( 4 ) م . ن ، فقرة ( 42 ) ، ( ص 62 ) . ( 5 ) م . ن ، فقرة ( 47 ) ، ( ص 62 ) . ( 6 ) الدوري ، نظم ( ص 22 ، 23 ) .