د حافظ أحمد عجاج الكرمي
32
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
العصبية ، وشرف النسب والخلال الكريمة ، وهذه خلال تضعف من الابن إلى الحفيد حتى إذا كان الرابع ابتعد عن طريقهم ، وأضاع الخلال الكريمة الحافظة لبناء مجدهم ، واحتقرها ، وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف ، وإنما هو أمر موجب لهم منذ النشأة بمجرد انتسابهم ، فيربأ بنفسه عن أهل عصبيته ويرى الفضل له عليهم ) « 1 » . ورئيس القبيلة الناجح في إدارته هو الرئيس الفطن الذي يستمد رأيه من رأي أشراف القبيلة ووجوهها . ويمكن أن نطلق على هؤلاء تسمية ( مجلس شورى ، أو هيئة عليا ، أو مشيخة القبيلة ، أو كما أطلق عليه شعراؤهم مجلس السراة ) ، ويقول الشاعر الجاهلي مبينا وظيفة هؤلاء « 2 » : والبيت لا يبتنى إلا له عمد * ولا عماد إذا لم ترس أوتاد لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهّالهم سادوا إذا تولّى سراة القوم أمرهم * نما على ذاك أمر القوم فازدادوا « 3 » لقد كان لهؤلاء « السراة » رقابة على الرئيس ( الشيخ ) ، ولهم مجامع للمداولة في شؤون الحرب والسلم ، وأما مركزهم الذي يجتمعون فيه فهو بيت رئيس القبيلة أو البيوت التي يجلس فيها مساء للسمر « 4 » . أما دستور القبيلة فهو مجموعة من التقاليد والأعراف الذي حفظته القبيلة من موروثات الاباء والأجداد ، فهم يعتزون بهذه وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] ولعل هذا القانون ينحصر في كلمة ( العصبية ) إذ منها تنبع قواعده وأعرافه « 5 » . ونلمح كذلك في التنظيمات القبيلة مجموعة من الأشخاص - غير الشيخ ومشيخة القبيلة ( سراة القوم ) - ولهم دور إداري بارز في حياة القبيلة منهم « العريف » « 6 » وهذا
--> ( 1 ) ابن خالدون ، المقدمة ( ص 154 ) . ( 2 ) هو الشاعر الجاهلي « الأفوه الأودي » وهو صلاءة بن عمرو بن مالك بن أود ، لقب بالأفوه ؛ لأنه كان غليظ الشفتين ، ظاهر الأسنان ، فهو من كبار شعراء الجاهلية القدماء . انظر : عبد العزيز الميمني ، الطرائف الأدبية ، مجموعة من الشعر القديم تحقيق : عبد العزيز الميمني ، القاهرة ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة سنة ( 1937 م ) ( ص 3 ) . ( 3 ) الميمني ، الطرائف الأدبية ( ص 10 ) . ( 4 ) الدوري ، نظم ( ص 7 ) . والشريف ، مكة والمدينة ( ص 26 ، 27 ) . ومولوي ، الإدارة العربية ( ص 23 ) . ( 5 ) الميداني ، أبو الفضل أحمد بن محمد النيسابوري ( ت 518 ه ) مجمع الأمثال ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، مطبعة السنن المحمدية ( 1955 م ) ، ( ج 1 ، ص 17 ) . ( 6 ) ابن منظور ، اللسان ( ج 9 ، ص 238 ) . الألوسي ، بلوغ الأرب ( ج 2 ، ص 186 ) .