د حافظ أحمد عجاج الكرمي

243

الإدارة في عصر الرسول ( ص )

الفصل السادس إدارة شؤون القضاء رابعا : الحسبة قام النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بموجب ما ورد من آيات تأمر بذلك ، يقول اللّه تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . . [ آل عمران : 110 ] وقال : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ آل عمران : 104 ] « 1 » وقد أصبحت هذه المهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بعد ولاية مستقلة تسمى ولاية « الحسبة » . والحسبة - بهذا المفهوم - وظيفة إدارية مارسها النبي صلّى اللّه عليه وسلم بنفسه ، وقلدها غيره « 2 » ، يروي مسلم ( ت 261 ه ) أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يتجول في أسواق المدينة للمراقبة . وأنه مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا ، فقال : « يا صاحب الطعام ما هذا ؟ » فقال : أصابته السماء يا رسول اللّه ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ؟ » ثم قال : « من غش فليس منا » « 3 » . وذكر البخاري ( ت 256 ه ) قول ابن عمر ( ت 73 ه ) : « أنهم كانوا - أي الصحابة - يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فبعث إليهم من يمنعهم أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم » « 4 » ، وذكر مسلم ( ت 261 ه ) قول سالم بن عبد اللّه أن أباه قال : « وقد رأيت الناس في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون في أن يبيعوه في مكانهم ، وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم » « 5 » فكانت مراقبة الأسواق جزا من مهام المحتسب ، وفي فترة لاحقة استعمل النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعض أصحابه للقيام بهذه المهمة ، فاستعمل سعيد بن العاص بن أمية ( ت 9 ه ) على سوق مكة بعد الفتح « 6 » ، وكان أول موظف محتسب في الإسلام ، كما استعمل

--> ( 1 ) انظر : الطبري ، تفسير ( ج 7 ، ص 90 - 92 ) . القرطبي ، الجامع ( ج 4 ، ص 165 ، 166 ) . السيوطي ، الدر المنثور ( ج 2 ، ص 288 ، 290 ) . ( 2 ) أبو سن ، الإدارة في الإسلام ( ص 40 ) . ( 3 ) مسلم ، الصحيح ( ج 1 ، ص 99 ) . ( 4 ) البخاري ، الصحيح ( ج 3 ، ص 87 ، 95 ) وانظر : مسلم بشرح النووي ( ج 10 ، ص 162 ، 164 ) . ( 5 ) مسلم بشرح النووي ( ج 10 ، ص 170 ) . ( 6 ) ابن عبد البر ، الاستيعاب ( ج 2 ، ص 621 ) ، القلقشندي ، صبح الأعشى ( ج 5 ، ص 452 ) .