د حافظ أحمد عجاج الكرمي
237
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
الفصل السادس إدارة شؤون القضاء ثانيا : القضاء في الأمصار لم يكن للمسلمين في حاضرة الدولة ( المدينة ) قاض سوى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ إذ إنه تولى القضاء بنفسه ، وولاه - أحيانا - غيره من الصحابة في حضرته ، ليعلمهم كيفية القضاء بين الناس وأصوله حتى يقوموا بهذا الدور في حال غيابه أو وفاته ، أو من أجل تدريبهم واختبارهم قبل إرسالهم للقضاء في أمصار الدولة المختلفة . ذكر الحاكم ( ت 405 ه ) أنه أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم خصمان ، فقال لعمر بن الخطاب : « اقض بينهما » « 1 » ؛ ولذلك قال عثمان بن عفان ( ت 35 ه ) لعبد اللّه بن عمر ( ت 73 ه ) في خلافته : « اذهب فاقض بين الناس ، قال : أو تعافني يا أمير المؤمنين ؟ قال : وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . . . » « 2 » وذكر معقل بن يسار ( ت 65 ه ) قال : « أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن أقضي وقال : إن اللّه مع القاضي ما لم يجف عمدا » « 3 » ويروي الدارقطني ( ت 385 ه ) : أن قوما اختصموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في خص ( بيت من قش ) كان بينهم ، فبعث حذيفة يقضي بينهم فقضى للذين يليهم معاقد القمط ( ما تشد به الأخصاص وغيرها ) ، فلما رجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أخبره فقال : « أصبت وأحسنت » « 4 » واستقضى النبي صلّى اللّه عليه وسلم عقبة بن عامر الجهني في خصومة معينة ، فقد روى أحمد ( ت 241 ه ) قال : جاء خصمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يختصمان فقال : « قم يا عقبة اقض بينهما » ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أنت أولى بذلك قال : « وإن كان اقض بينهما » « 5 » وكان هؤلاء الذين قضوا في حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حادثة أو أكثر كانت ولاية أحدهم تنتهي بالفصل في هذه الحادثة .
--> ( 1 ) المستدرك ، الحاكم ( ج 4 ، ص 88 ) . وانظر : الماوردي ، أدب القاضي ( ج 2 ، ص 387 ) . ( 2 ) ابن العربي ، عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ( ج 6 ، ص 63 ، 64 ) . ( 3 ) أحمد ، المسند ( ج 5 ، ص 26 ) . الكتاني ، التراتيب الإدارية ( ج 1 ، ص 258 ) . وانظر : أحمد عبد المنعم البهتي ، تاريخ القضاء في الإسلام ، القاهرة ، مطبعة لجنة البيان العربي ، ( 1965 م ) ، ( ص 61 ، 62 ) . ( 4 ) الدارقطني ، السنن ( ج 4 ، ص 229 ) . وانظر : القرطبي ، أقضية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ( ص 87 ) . ( 5 ) الدارقطني ، السنن ( ج 4 ، ص 203 ) .