العلامة المجلسي

276

بحار الأنوار

لتذهب إليه فدعا عليهم فماتوا ، فبلغ الجبار ذلك فبعث إليه خمسمائة رجل ليأتوه به فقالوا له : يا إدريس إن الجبار بعثنا إليك لنذهب بك إليه ، فقال لهم إدريس : انظروا إلى مصارع أصحابكم ، فقالوا له : يا إدريس قتلتنا بالجوع منذ عشرين سنة ثم تريد أن تدعو علينا بالموت ! أما لك رحمة ؟ فقال : ما أنا بذاهب إليه ، ولا أنا بسائل الله أن يمطر السماء عليكم حتى يأتيني جباركم ماشيا " حافيا " وأهل قريتكم ، فانطلقوا إلى الجبار فأخبروه بقول إدريس واسألوه أن يمضي معهم وجميع أهل قريتهم إلى إدريس حفاة مشاة ، فأتوه حتى وقفوا بين يديه خاضعين له طالبين إليه أن يسأل الله لهم أن يمطر السماء عليهم ، فقال لهم إدريس : أما الآن فنعم ، فسأل الله تعالى إدريس عند ذلك أن يمطر السماء عليهم وعلى قريتهم ونواحيها فأظلتهم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت ( 1 ) عليهم من ساعتهم حتى ظنوا أنها الغرق فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمتهم أنفسهم من الماء . ( 2 ) قصص الأنبياء : بإسناده إلى الصدوق مثله . ( 3 ) بيان : فسمني أي بعني . أثمن لك : أعطيك الثمن . قبل فعلك أي إتيانك بما غضبت له . فلن تسبقني بنفسك هو تهديد بالقتل ، أي لا يمكنك الفرار بنفسك والتقدم بحيث لا يمكنني اللحوق بك لإهلاكها ، أو لا تغلبني في أمر نفسك بأن تتخلصها مني ، ويحتمل أن يكون المراد : لا تغلبني متفردا بنفسك من غير معاون فلم تتعرض لي . حتى أهمتهم أنفسهم أي خوف أنفسهم أوقعهم في الهموم ، أو لم يهتمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها . ثم اعلم أن الظاهر أن أمره تعالى إدريس عليه السلام بالدعاء لهم لم يكن على سبيل الحتم والوجوب بل على الندب والاستحباب ، وكان غرضه عليه السلام في التأخير وفي طلب القوم أن يأتوه متذللين تنبيههم وزجرهم عن الطغيان والفساد ولئلا يخالفوا ربهم بعد دخوله بينهم ، ( 4 ) وأن أولياء الله يغضبون لربهم أكثر من سخطه تعالى لنفسه لسعة رحمته وعظم حمله تعالى شأنه .

--> ( 1 ) هطل المطر : نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر . ( 2 ) كمال الدين : 76 - 78 . م ( 3 ) مخطوط . م ( 4 ) وليكون ذلك تنبيها للملك الجبار وأتباعه ورجوعهم إلى الله مسلمين ، ولو كان يدعو قبل أن يسلموا ويتوبوا لكانوا يجبرون الناس على الضلال بعد أن رفهوا .