العلامة المجلسي

199

بحار الأنوار

فأكل من شجرة أخرى من نوعها ، وكان ذلك من قبيل الخطاء في الاجتهاد ، وليس من كبائر الذنوب التي يستحق بها دخول النار . واعترض عليه بوجوه : أولها : أن اسم الإشارة موضوع للأشخاص ، والإشارة به إلى النوع مجاز ، فإذا حمل آدم على نبينا وآله وعليه السلام اللفظ على حقيقته فأي خطأ يلحقه ؟ ولماذا اخرج من الجنة ؟ وأجيب عنه بأن اللفظ وإن كان موضوعا " للشخص إلا أنه كان قد قرنه بما يدل على أن المراد به النوع . وثانيها : أنه سبحانه لو كلفه على الوجه المذكور من دون قرينة تدل على المراد لزم تكليف ما لا يطاق ، ومع القرينة يلزمه الإخلال بالنظر والتقصير في المعرفة ويلزمه الخطاء قصدا " ، فلم يفد هذا الجواب إلا تغيير الخطيئة ، وكون الخطيئة على تقدير صغيرة أو ارتكابا " لخلاف الأولى وعلى غيره كبيرة تعسف . وأجيب بأنه عليه السلام لعله عرف القرينة في وقت الخطاب ثم غفل عنها ونسي لطول المدة أو غيره كما قال تعالى : " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ( 1 ) " وهذا مبني على سهوهم وهو منفي عنهم ، وقد وردت الأخبار بأن المراد بالنسيان الترك . وثالثها : أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الاجتهاد والعمل بالظن لتمكنهم من العلم ، والعمل بالظن مع التمكن من تحصيل العلم غير جائز عقلا " وشرعا " . ويمكن الجواب بأنا لا نسلم أن آدم على نبينا وآله وعليه السلام كان وقت الخطاب نبيا كما يدل عليه الرواية فلا محذور في عمله بالظن حينئذ ، فإن تمكنه من العلم واليقين ممنوع ، وفيه إشكال ؟ الوجه الثاني أنه تعالى سماه غاويا بقوله : " فغوى " والغي خلاف الرشد لقوله تعالى : " قد تبين الرشد من الغي ( 2 ) " والغاوي يكون صاحب كبيرة خصوصا " إذا وقع تأكيدا " للعاصي . وأجاب السيد رحمه الله بأن معنى " غوى " أنه خاب ، لأنا نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم ، فإذا خالف الأمر ولم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب لا محالة من حيث لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحق بالامتناع ولا شبهة في أن لفظ " غوى " يحتمل الخيبة ، قال الشاعر : فمن يلق خيرا " يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما " .

--> ( 1 ) طه : 115 : ( 2 ) البقرة : 256 .