العلامة المجلسي

15

بحار الأنوار

العقوبات إلا الله ، قال ابن الأنباري : إن الله أهلك أمما من العرب وغيرها فانقطعت أخبارهم وعفت آثارهم ، فليس يعرفهم أحد إلا الله . وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : كذب النسابون ، فعلى هذا يكون قوله : " والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله " مبتدء وخبرا " " فردوا أيديهم في أفواههم " أي عضوا على أصابعهم من شدة الغيظ ، أو جعلوا أيديهم في أفواه الأنبياء تكذيبا " لهم ، أي أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تسكيتا " لهم ، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مومئين بذلك إلى رسل : أن اسكتوا ، أو الضميران كلاهما للرسل ، أي أخذوا أيدي الرسل فوضعوها على أفواههم ليسكتوا فسكتوا عنهم لما يئسوا منهم ، هذا كله إذا حمل معنى الأيدي والأفواه على الحقيقة ، ومن حملهما على المجاز فقيل : المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج ، أي فردوا حججهم في حيث جاءت ، ( 1 ) لأنها تخرج من الأفواه . أو مثله من الوجوه . ( 2 ) " مريب " أي يوقعنا في الريب بكم أنكم تطلبون الرئاسة وتفترون الكذب . " من ذنوبكم " أي بعضها ، لأنه لا يغفر الشرك ، وقيل : وضع البعض موضع الجميع توسعا "

--> ( 1 ) في نسخة : من حيث جاءت . ( 2 ) أضاف السيد الرضى في تلخيص البيان : 95 على هذه الوجوه وجهين آخرين : أحدهما ما نقل عن بعض أن المراد بذلك ضرب من الهزء يفعله المجان والسفهاء إذا أرادوا الاستهزاء ببعض الناس وقصدوا الوضع منه والازراء عليه يجعلون أصابعهم في أفواههم ويتبعون هذا الفعل بأصوات تشبهه وتجانسه ، يستدل بها على قصد السخف وتعمد الفحش . ثم قال : وهذا القول عندي بعيد من الصواب . ثانيهما : أن يكون المراد بذلك أن الكفار كانوا إذا بدأ الرسل بكلامهم سددوا بأيديهم أسماعهم دفعة وأفواههم دفعة ، اظهارا منهم لقلة الرغبة في سماع كلامهم وجواب مقالهم ليدلوهم بذلك الفعل على أنهم لا يصغون لهم إلى مقال ولا يجيبونهم عن سؤال ، إذ قد أبهموا طريقي السماع والجواب وهما الاذان والأفواه ، وشاهد ذلك قوله سبحانه حاكيا عن نوح عليه السلام ويعنى قومه : * ( وانى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ) * فيكون معنى رد أيديهم في أفواههم أن يمسكوا أفواههم بأكفهم كما بفعل المظهر للامتناع من الكلام ، ويكون إنما ذكر تعالى رد الأيدي ههنا وهو يفيد فعل الشئ ثانيا بعد أن فعل أولا لأنهم كانوا يكثرون هذا الفعل عند كلام الرسل عليهم السلام ، فوصفوا في هذه الآية بما قد سبق لهم مثله وألف منهم فعله اه‍ . قلت : ويمكن أن يكون المراد أنهم عضوا على أناملهم تعجبا أو اظهارا " للتعجب مما يدعو إليه الأنبياء والرسل .