العلامة المجلسي
150
بحار الأنوار
معك ، فقال لهم : فإن كنتم قد وطنتم أنفسكم على ما وطنت نفسي عليه ( 1 ) فاعلموا أن الله إنما يهب المنازل الشريفة لعباده باحتمال المكاره ، وأن الله وإن كان خصني مع من مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا من الكرامات بما يسهل علي معها احتمال المكروهات فإن لكم شطر ذلك من كرامات الله تعالى ، واعلموا أن الدنيا حلوها ومرها حلم ، ( 2 ) والانتباه في الآخرة ، والفائز من فاز فيها ، والشقي من شقي فيها ، أولا أحدثكم بأول أمرنا وأمركم معاشر أوليائنا ومحبينا والمتعصبين لنا ليسهل عليكم احتمال ما أنتم له مقرون ؟ قالوا : بلى يا بن رسول الله قال : إن الله تعالى لما خلق آدم وسواه وعلمه أسماء كل شئ وعرضهم على الملائكة جعل محمدا " وعليا " وفاطمة والحسن والحسين أشباحا " خمسة في ظهر آدم ، وكانت أنوارهم تضئ في الآفاق من السماوات والحجب والجنان والكرسي والعرش ، فأمر الله الملائكة بالسجدة لآدم تعظيما " له إنه قد فضله بأن جعله وعاء لتلك الأشباح التي قد عم أنوارها في الآفاق ، فسجدوا إلا إبليس أبى أن يتواضع لجلال عظمة الله وأن يتواضع لأنوارنا أهل البيت وقد تواضعت لها الملائكة كلها فاستكبر وترفع وكان بإبائه ذلك وتكبره من الكافرين . قال علي بن الحسين صلوات الله عليهما : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : قال : يا عباد الله : إن آدم لما رأى النور ساطعا " من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا ( 3 ) من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور ولم يتبين الأشباح ، فقال : يا رب ما هذه الأنوار ؟ قال الله عز وجل : أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك ، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح ، فقال آدم : يا رب لو
--> ( 1 ) وطن نفسه على الامر وللامر : هيأها لفعله وحملها عليه . ( 2 ) الحلم . ما يراه النائم في نومه . ( 3 ) قال الطريحي في مجمع البحرين : في الحديث : خلق الله محمدا وعترته أشباح نور بين يدي الله ، قلت : وما الأشباح ؟ قال : ظل النور ، أبدان نورانية بل أرواح . فالأشباح جمع الشبح بالتحريك وقد يسكن وهو الشخص . وسئل الشيخ الجليل محمد بن النعمان ما معنى الأشباح ؟ فأجاب : الصحيح من حديث الأشباح الرواية التي جاءت عن الثقات بأن آدم عليه السلام رأى على العرش أشباحا يلمع نورها ، فسأل الله تعالى عنها فأوحى الله إليه : أنها أشباح رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام ، وأعلمه لولا الأشباح التي رآها ما خلقه الله ولا خلق سماء ولا أرضا ، ثم قال : والوجه فيما أظهره الله من الأشباح والصور لآدم عليه السلام أن دله على تعظيمهم وتقبيلهم وجعل ذلك اجلالا لهم ومقدمة لما يعرضه من طاعتهم ودليلا على أن مصالح الدين والدنيا لا تتم إلا بهم ، ولم يكونوا في تلك الحال صورا مجسمة ولا أرواحا ناطقة ولكنما كانت على صورهم في البشرية تدل على ما يكونون عليه في المستقبل . ولقد روى أن آدم لما تاب إلى الله وناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه ومحلهم عنده فأجابه ، قال : وهذا غير منكر من القول ولا مضاد للشرع ، وقد رواه الثقات الصالحون المأمونون وسلم لروايته طائفة الحق فلا طريق إلى إنكاره انتهى . قلت : والقول بكونهم عليهم السلام أرواحا ناطقة كما وردت عليه أخبار لا يكون أيضا منكرا من القول ولا مضادا للشرع والعقل .