السيد علي الموسوي القزويني
826
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
الصورة الثالثة ففيها إشكال نشأ من جهة خلاف بين الأصحاب ، فقيل : بأنّه لا يلحقه حكم المشتبه ولا يجب اجتنابه ، صرّح به في المدارك ( 1 ) ، وحكى القطع به عن المحقّق الشيخ عليّ في حاشية الشرائع ( 2 ) ، والميل إليه عن جدّه ( قدس سره ) في روض الجنان ( 3 ) ، لأنّ احتمال ملاقاة النجس لا يرفع الطهارة المتيقّنة ، وقد روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنّه قال : " ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً " ( 4 ) ولأنّه لم يعلم ملاقاته لنجس ، وإنّما علم ملاقاته لما يجب الاجتناب عنه مقدّمة ، فهو باق على أصالة الطهارة ، ولا يجري فيه دليل وجوب الاجتناب عن النجاسة الواقعيّة بعد حكم الشارع بأنّه طاهر غير نجس . وقيل : بأنّه يلحقه حكم المشتبه الّذي منه وجوب غسله ، صرّح به العلاّمة في المنتهى قائلا : " بأنّه لو استعمل أحدهما وصلّى به ، لم تصحّ صلاته ووجب غسل ما أصابه المشتبه بماء متيقّن الطهارة كالنجس " ( 5 ) . ثمّ حكى عن الحنابلة وجهاً بعدم وجوب غسله ، لأنّ المحلّ طاهر بيقين ، فلا يزول بشكّ النجاسة . فأجاب عنه : " بأنّه لافرق هنا بين يقين النجاسة وشكّها في المنع بخلاف غيره " ( 6 ) . واُجيب عنه : " بأنّ اليقين بالنجاسة موجب لليقين بنجاسة ما أصابه ، وأمّا الشكّ فيها فلا يوجب اليقين بنجاسة ما أصابه ، فيبقى على أصالة الطهارة ، وعدم الفرق بين اليقين والشكّ هنا شرعاً إنّما هو في وجوب الاجتناب لا في تنجيس الملاقي " ( 7 ) . والوجه في ذلك : أنّ الساري من حكم النجس الواقعي إلى كلّ من المشتبهين إنّما هو الحكم التكليفي أعني وجوب الاجتناب ، لأنّ الاجتناب عن كلّ واحد مقدّمة علميّة للواجب ، وأمّا الحكم الوضعي وهي نفس النجاسة فلا يعقل سرايتها إليهما ، بل هي قائمة بما هو نجس واقعاً . ويظهر من صاحب الحدائق موافقة العلاّمة ، حيث يقول : " بأنّ مقتضى القاعدة المستفادة من استقراء الأخبار الواردة في أفراد الشبهة المحصورة أنّ
--> ( 1 ) مدارك الأحكام 1 : 108 . ( 2 ) لم نجده في حاشية الشرائع . ( 3 ) روض الجنان : 156 . ( 4 ) الوسائل 3 : 477 ب 41 من أبواب النجاسات ح 1 - التهذيب 1 : 421 / 1335 . ( 5 و 6 ) منتهى المطلب 1 : 178 - 179 . ( 7 ) كتاب الطهارة - للشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) - 1 : 283 .