السيد علي الموسوي القزويني
475
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
وعن الحلبي الاحتجاج على ما صار إليه بأنّ : " الشرعيّات كلّها ظنّية ، وأنّ العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل " ( 1 ) ، وقد يحتجّ له أيضاً : " بأنّ الاشتغال بالطهارة بالماء الطاهر والصلاة بالثوب الطاهر ثابت يقيناً ، وهو ممّا يقتضي اليقين بالبراءة جزماً ، ولا يحصل اليقين إلاّ بالطاهر الواقعي لمكان وضع الألفاظ للمعاني الواقعيّة ، وقضيّة ذلك تعيّن الاجتناب عمّا ظنّ بنجاسته ، لأنّ مقدّمة الواجب المطلق ممّا لابدّ منها " . ( 2 ) والجواب عن الأوّل : بمنع ابتناء الشرعيّات مطلقة على الظنّ ، لو اُريد بها ما يعمّ الموضوعات الخارجيّة كما هو المتنازع فيه وبدونه لا يجدي ، ولو سلّم فهو لم يثبت إلاّ من باب القاعدة القابلة للتخصيص ، والروايات المتقدّمة تنهض مخصّصة لها ، هذا مضافاً إلى ما في حسنة الحلبي المتقدّمة ( 3 ) من الظنّ المأمور معه بالنضح الّذي لا يكفي في رفع النجاسة ، ومثله ما في رواية زرارة المنهىّ معه عن إعادة الصلاة ، فإنّ " الظنّ " إن لم يكن ظاهراً في معناه المعهود فلا أقلّ من كونه شاملا له ، ومثله الشكّ الوارد في رواية ابن الحجّاج ( 4 ) بقرينة تقدّم الحسبان في كلام السائل ، مع شيوع إطلاق هذا اللفظ في الروايات على مطلق الاحتمال ، وعلى هذا القياس لفظ " الرأي " الوارد في رواية عبد الله بن سنان ( 5 ) المحكوم معه بالنضح ، مضافاً إلى سائر الروايات الشاملة بإطلاقها لصورة الظنّ أو الظاهرة فيها ، ولا ريب أنّ ما ذكر في الاحتجاج لا يصلح معارضاً لشئ من ذلك . وعن الثاني : بأنّ العقل ممّا لا مدخل له في التعبّديّات ، والعبرة في الراجحيّة والمرجوحيّة بالقياس إليها إنّما هو بما اعتبره الشارع ، ولا اعتداد فيها بالترجيح العقلي ، فحيث إنّ الشارع حكم بالطهارة ، ما لم يحصل العلم بنقيضها كشف عن كون الراجح في نظره مع عدم العلم هو الطهارة ، فنحن أنّما نأخذ بها لا بعنوان أنّه مرجوح في نظر العقل لئلاّ يكون جائزاً ، بل بعنوان أنّه راجح في نظر الشارع ، بل المتّجه حينئذ المنع عن قضاء العقل بالمرجوحيّة بعد ما لاحظ ترجيح الشارع للطهارة . وبالجملة : المرجوحيّة لو اُريد بها ما هو بحسب اعتقاد المكلّف فنمنع حكم العقل
--> ( 1 ) حكى عنه في المعالم 1 : 381 . ( 2 ) مشارق الشموس : 283 . ( 3 ) تقدّمت في الصحفة 463 الرقم 1 . ( 4 ) تقدّمت في الصفحة 464 الرقم 1 . ( 5 ) تقدّمت في الصفحة 464 الرقم 3 .