السيد علي الموسوي القزويني

413

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

الأوّل عبّر باللفظ المذكور ، وفي الثاني ذكر المعنى بطريق الحمل . وأقوى ممّا ذكر ما في الدروس من قوله : " ثالثها : الجاري نابعاً " ( 1 ) بعد ما جعل أقسام الماء باعتبار مخالطة النجس له أربعة ، وفي شرح العبارة المذكورة للمحقّق الخوانساري : " احترز به عمّا إذا كان جارياً من غير نبع ، فإنّ حكمه حكم الواقف اتّفاقاً نعم القليل منه إذا كان منحدراً لا ينجّس ما فوقه " ( 2 ) ، انتهى فإنّ ظاهر هذه العبارات كلّها أنّ وقوع لفظ " الجاري " على الماء ليس بحسب الوضع اللغوي ، ولا العرفي العامّ ، ولا أنّه حصل فيه للفقهاء اصطلاح خاصّ ، وإلاّ لم يكن لما فيها من التقييدات والتصريح بالاحترازات وجه . والثالث : ما عن المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة من قوله : " وأمّا حقيقة الجاري ، فقيل : إنّه النابع غير البئر ، فكأنّه اصطلاح ، ويفهم ممّا نقل عن الدروس اشتراط دوام النبع ، وكذا ابن فهد وليس هنا حقيقة شرعيّة بل ولا عرفيّة ، ومعلوم عدم إرادة اللغويّة ، ويمكن استخراج المعنى المتقدّم . أمّا غير البئر فلانفرادها بالأحكام ، وأمّا النابع مطلقاً فلعدم القوّة في غير النابع ، وللإجماع أيضاً على اعتبار الكرّيّة في غير النابع بين القائلين بالتنجيس ، ولوجود معنى الجري في النابع " ( 3 ) انتهى . وحينئذ فما في عبارة المسالك من قوله - بعد تفسيره المتقدّم - " وإطلاق الجريان عليه مطلقاً تغليب أو حقيقة عرفيّة " ( 4 ) لابدّ وأن يحمل على إرادة التغليب في لسان الفقهاء ، حيث يعتبرون المعنى المذكور موضوعاً في المسألة المتنازع فيها ، وإرادة الحقيقة العرفيّة الخاصّة كما فهمه الأردبيلي . وعليه فما ربّما يورد عليه من مخالفة ذلك للعرف واللغة ، والاستدلال في ردّه بأنّ الجاري ، لا يصدق إلاّ مع تحقّق الجريان ليس على ما ينبغي ، فإنّ اعتبار الجريان فعلا في صدق الجاري لغةً أو عرفاً لا ينافي عدم كونه معتبراً فيما هو موضوع في المسألة الفقهيّة ، بعد تبيّن أنّ العبرة فيه بالنبع فقط دون الجريان فعلا ، غاية الأمر كون وقوع اللفظ عليه مجازاً من باب التغليب لتحقّق الجريان في أكثر أفراد هذا الموضوع ، أو

--> ( 1 ) الدروس الشرعيّة 1 : 119 . ( 2 ) مشارق الشموس : 205 . ( 3 ) مجمع الفائدة والبرهان 1 : 250 . ( 4 ) مسالك الأفهام 1 : 12 .