ابن أبي أصيبعة
768
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
والده موفق الدين صديقا لي مستمرا في تأكيد مودته حافظا لها طول أيامه ومدته تستحلى نفائس مجالسته وتستجلى عرائس مؤانسته ألمعي أوانه وأصمعي زمانه جيد الحفظ للأشعار علامة في نقل التواريخ والأخبار متميز في علم العربية فاضل في الفنون الأدبية قد اشتمل في الكتابة على أصولها وفروعها وبلغ الغاية من بعيدها وبديعها وله الخط المنسوب الذي هو نزهة الأبصار ولا يلحقه كاتب في سائر الأقطار والأمصار كان في أيام الملك الناصر يوسف بن محمد كاتبا بصرخد عاملا في ديوان البر وكان ولده هذا أبو الفرج تتبين فيه النجابة من صغره كما تحققت في كبره حسن السمت كثير الصمت وافر الذكاء محبا لسيرة العلماء فقصد أبوه تعلميه الطب فسألني ذلك فلازمني حتى حفظ الكتب الأولة المتداول حفظها في صناعة الطب كمسائل حنين والفصول لأبقراط وتقدمة المعرفة له وعرف شرح معانيها وفهم قواعد مبانيها وقرأ علي بعد ذلك في العلاج من كتب أبي بكر محمد بن زكريا الرازي ما عرف به أقسام الأسقام وجسيم العلل في الأجسام وتحقق معاجلة المعالجة ومعاناة المداواة وعرفته أصول ذلك وفصوله وفهمته غوامضه ومحصوله ثم انتقل أبوه إلى دمشق المحروسة وخدم بها في الديوان السامي وسار ولده معه ولازم جماعة من الفضلاء فقرأ في العلوم الحكمية والأجزاء الفلسفية على الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسروشاهي وعلى عز الدين الحسن الغنوي الضرير وقرأ أيضا في صناعة الطب على الحكيم نجم الدين بن المنفاخ وعلى موفق الدين يعقوب السامري وقرأ أيضا كتاب أوقليدس على الشيخ مؤيد الدين العرضي وفهم هذا الكتاب فهما فتح به مقفل أقواله وحل مشكل أشكاله وخدم أبو الفرج بن القف بصناعة الطب في قلعة عجلون وأقام بها عدة سنين ثم عاد إلى دمشق وخدم في قلعتها المحروسة لمعالجة المرضى وهو محمود في أفعاله مشكور في سائر أحواله وله من الكتب كتاب الشافي في الطب شرح الكليات من كتاب القانون لابن سينا ست مجلدات شرح الفصول كتابين مقالة في حفظ الصحة كتاب العمدة في صناعة الجراح عشرين مقالة علم وعمل يذكر فيه جميع ما يحتاج إليه الجرائحي بحيث لا يحتاج إلى غيره كتاب جامع الغرض مجلد واحد حواش على ثالث القانون لم يوجد شرح الإشارات مسودة ولم يتم المباحث المغربية ولم تتم توفي في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وستمائة والله أعلم