ابن أبي أصيبعة
603
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
الباب الخامس عشر طبقات الأطباء المشهورين من أطباء الشام أبو نصر الفارابي هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان مدينته فاراب وهي مدينة من بلاد الترك في أرض خراسان وكان أبوه قائد جيش وهو فارسي المنتسب وكان ببغداد مدة ثم انتقل إلى الشام وأقام به إلى حين وفاته وكان رحمه الله فيلسوفا كاملا وإماما فاضلا قد أتقن العلوم الحكمية وبرع في العلوم الرياضية زكي النفس قوي الذكاء متجنبا عن الدنيا مقتنعا منها بما يقوم بأوده يسير سيرة الفلاسفة المتقدمين وكانت له قوة في صناعة الطب وعلم بالأمور الكلية منها ولم يباشر أعمالها ولا حاول جزئياتها وحدثني سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي الآمدي أن الفارابي كان في أول أمره ناطورا في بستان بدمشق وهو على ذلك دائم الاشتغال بالحكمة والنظر فيها والتطلع إلى آراء المتقدمين وشرح معانيها وكان ضعيف الحال حتى أنه كان في الليل يسهر للمطالعة والتصنيف ويستضئ بالقنديل الذي للحارس وبقي كذلك مدة ثم إنه عظم شأنه وظهر فضله واشتهرت تصانيفه وكثرت تلاميذه وصار أوحد زمانه وعلامة وقته واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي وأكرمه إكراما كثيرا وعظمت منزلته عنده وكان له مؤثرا ونقلت من خط بعض المشايخ أن أبا نصر الفارابي سافر إلى مصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ورجع إلى دمشق وتوفي بها في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة عند سيف الدولة علي بن حمدان في خلافة الراضي وصلى عليه سيف الدولة في خمسة عشر رجلا من خاصته ويذكر أنه لم يكن يتناول