ابن أبي أصيبعة
595
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
ومن حكاياته أنه طلب منه يوما أن يركب له صلصا يأكل به اليخني في الأسفار واقترح عليه أن يكون مقويا للمعدة منبها للشهوة وهو مع ذلك ملين للطبخ فركب له صلصا هذه صفته يؤخذ من المقدونس جزء ومن الريحان الترنجاني وقلوب الأترج الغضة المحلاة بالماء والملح أياما ثم بالماء الحلو أخيرا من كل واحد نصف جزء يدق في جرن الفقاعي كل منهم بمفرده حتى يصير مثل المرهم ثم يخلط الجميع في الجرن المذكور ويعصر عليه الليمون الأخضر المنتقى ويذر عليه من الملح الأندراني مقدار ما يطيبه ثم يرفع في مسللات صغار تسع كل واحدة منها مقدار ما يقدم على المائدة لأنها إذا نقصت تكرجت وتختم تلك الأواني بالزيت الطيب وترفع فلما استعمله السلطان حصلت له منه المقاصد المطلوبة وأثنى عليه ثناء كثيرا وكان مسافرا إلى بلاد الروم فقال للحكيم المذكور هذا الصلص يدوم مدة طويلة فقال له لا فقال ما يقيم شهرا فقال له نعم إذا عمل على هذه الصورة التي ذكرتها فقال تعمل لي منه راتبا في كل شهر ما يكفيني في مدة ذلك الشهر وتسيره لي في رأس كل هلال فلم يزل الحكيم المذكور يجدد ذلك الصلص في كل شهر ويسيره له إلى دربندات الروم وهو يلازم استعماله في الطريق ويثني عليه ثناء كثيرا ومن نوادره أنه جاءت إليه امرأة من الريف ومعها ولدها وهو شاب قد غلب عليه النحول والمرض فشكت إليه حال ولدها وأنها قد أعيت فيه من المداواة وهو لا يزداد إلا سقاما ونحولا وكانت قد جاءت إليه بالغداة قبل ركوبه وكان الوقت باردا فنظر إليه واستقرأ حاله وجس نبضه فبينما هو يجس نبضه قال لغلامه ادخل ناولني الفرجية حتى أجعلها علي فتغير نبض ذلك الشاب عند قوله تغيرا كثيرا واختلف وزنه وتغير لونه أيضا فحدس أن يكون عاشقا ثم جس نبضه بعد ذلك فتساكن وعندما خرج الغلام إليه وقال له هذه الفرجية جس نبضه فوجده أيضا قد تغير فقال لوالدته إن ابنك هذا عاشق والتي يهواها اسمها فرجية فقالت أي والله يا مولاي هو يحب واحدة اسمها فرجية وقد عجزت مما أعذله فيها وتعجبت من قوله لها غاية التعجب ومن اطلاعه على اسم المرأة من غير معرفة متقدمة له لذلك أقول ومثل هذه الحكاية كانت قد عرضت لجالينوس لما عرف المرأة العاشقة وذلك أنه كان قد استدعي إلى امرأة جليلة القدر وكان المرض قد طال بها وحدس أنها عاشقة فتردد إليها ولما كان يوما وهو يجس نبضها وكانت الأجناد قد ركبوا في الميدان وهم يلعبون فحكى بعض الحاضرين ما كانوا فيه وأن فلانا تبينت له فروسية ولعب جيد وعندما سمعت باسم ذلك الرجل تغير نبضها واختلف جسه بعد ذلك فوجده قد تساكن إلى أن عاد إلى حاله الأولى ثم إن جالينوس أشار لذلك الحاكي سرا أن يعيد قوله فلما أعاده وجس نبضها وجده أيضا قد تغير فتحقق من حالها أنها تعشق ذلك الرجل وهذا يدل على وفور العلم وحسن النظر في تقدمة المعرفة