ابن أبي أصيبعة

588

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

للملك ماري ولد مجذم فركب له الترياق الفاروقي بالبيت المقدس وترهب وترك ولده الأكبر وهو الحكيم المهذب أبو سعيد خليفته على منزله وإخوته واتفق أن ملك الفرنج المذكور بالبيت المقدس أسر الفقيه عيسى ومرض فسيره الملك لمداواته فلما وصل إليه وجده في الجب مثقلا بالحديد فرجع إلى الملك وقال له إن هذا الرجل ذو نعمة ولو سقيته ماء الحياة وهو على هذا الحال لم ينتفع به قال الملك فما أفعل في أمره قال يطلقه الملك من الجب ويفك عنه حديده ويكرمه فما يحتاج إلى مداواة أكثر من هذا فقال الملك تخاف أن يهرب وقطيعته كثيرة قال للملك سلمه إلي وضمانه علي فقال له تسلمه وإذا جاءت قطيعته كان لك منها ألف دينار فمضى وشاله من الجب وفك حديده وأخلى له موضعا في داره أقام فيه ستة أشهر يخدمه فيها أتم خدمة فلما جاءت قطيعته طلب الملك الحكيم أبا سعيد ليحضر له الفقيه المذكور فحضر وهو صحبته ووجد قطيعته في أكياس بين يديه فأعطاه منها الكيس الذي وعده به فلما أخذه قال له يا مولانا هذه الألف دينار قد صارت لي أتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم فقال له نعم فأعطاها للفقيه في المجلس وقال له أنا أعرف أن هذه القطيعة ما جاءت إلا وقد تركت خلفك شيئا وربما قد تدني لك شيئا آخر فتقبل مني هذه الألف دينار إعانة نفقة الطريق فقبلها الفقيه منه وسافر إلى الملك الناصر واتفق أن الحكيم أبا سليمان داود المذكور ظهر له في أحكام النجوم إن الملك الناصر يفتح البيت المقدس في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية وأنه يدخل إليها من باب الرحمة فقال لأحد أولاده الخمسة وهو الفارس أبو الخير بن أبي سليمان داود المذكور وكان هذا الولد قد تربى مع الولد المجذم ملك البيت المقدس وعلمه الفروسية فلما توج الملك فرسه وخرج المذكور من بين اخوته الأربعة الأطباء جنديا وكان قول الحكيم أبي سليمان لولده هذا بأن يمضي رسولا عنه إلى الملك الناصر ويبشره بملك البيت المقدس في الوقت المذكور فامتثل مرسومه ومضى إلى الملك الناصر فاتفق وصوله إليه في غرة سنة ثمانين وخمسمائة والناس يهنئونه بها وهم على فاميه فمضى إلى الفقيه المذكور ففرح به غاية الفرح ودخل به إلى الملك الناصر وأوصل إليه الرسالة عن أبيه ففرح بذلك فرحا شديدا وأنعم عليه بجائزة سنية وأعطاه علما أصفر ونشابة من رنكة وقال له متى يسر الله ما ذكرت اجعلوا هذا العلم الأصفر والنشابة فوق داركم فالحارة التي أنتم فيها تسلم جميعها في خفارة داركم فلما حضر الوقت صح جميع ما قاله الحكيم المذكور فدخل الفقيه عيسى إلى الدار التي كان مقيما بها ليحفظها ولم يسلم من البيت المقدس من الأسر والقتل ووزن القطيعة سوى بيت هذا الحكيم المذكور وضاعف لأولاده ما كان لهم عند الفرنج وكتب له كتابا إلى سائر ممالكه برا وبحرا بمسامحتهم بجميع الحقوق اللازمة للنصارى فأعفوا منها إلى الآن وتوفي الحكيم أبو سليمان المذكور بعد أن استدعاه الملك الناصر إليه وقام له قائما وقال له أنت شيخ مبارك قد وصل إلينا بشراك وتم جميع ما ذكرته فتمن علي فقال له أتمنى عليك حفظ أولادي فأخذ الملك الناصر أولاده وأعتنى بهم وأعطاهم للملك العادل ووصاه بأن يكرمهم ويكونوا من