ابن أبي أصيبعة
529
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
مروان عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر كان جيد الفطرة حسن الرأي جميل الصورة مفرط الذكاء محمود الطريقة محبا للبس الفاخر وكان كثير الاعتناء بصناعة الطب والنظر فيها والتحقيق لمعانيها واشتغل على والده ووقفه على كثير من أسرار علم هذه الصناعة وعملها وقرأ كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري على أبيه واتقن معرفته وكان الخليفة أبو عبد الله محمد الناصر بن المنصور أبي يعقوب يرى له كثيرا ويحترمه ويعرف مقدار علمه وبيتوتته حدثني القاضي أبو مروان الباجي قال لما توجه أبو محمد عبد الله بن الحفيد إلى الحضرة خرج منه فيما اشتراه لسفره ونفقته في الطريق نحو عشرة آلاف دينار قال ولما اجتمع بالخليفة الناصر بالمهدية لما فتحها الناصر خدمه على ما جرت به العادة وقال له إنني يا أمير المؤمنين بحمد الله بكل خير من إنعامكم وإحسانكم علي وعلى آبائي وقد وصل إلي مما كان بيد أبي من إحسانكم ما يغنيني مدة حياتي وأكثر وإنما أتيت لأكون في الخدمة كما كان أبي وأن اجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه بين يدي أمير المؤمنين فأكرمه الناصر إكراما كثيرا وأطلق إليه من الأموال والنعم ما يفوق الوصف وكان مجلسه إذا حضر قريبا منه في الموضع الذي كان يجلس فيه والده الحفيد فكان يجلس إلى جانب الخليفة الناصر الخطيب أبو عبد الله محمد بن الحسن بن أبي يوسف حجاج القاضي وكان يجلس تلوه القاضي الشريف أبو عبد الله الحسيني وكان يجلس تلوه أبو محمد عبد الله بن الحفيد أبو بكر بن زهر وكان يجلس إلى جانبه أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي صاحب المقدمة المشهورة في النحو المعروفة بالجزولية وكان هذا في النحو يشتغل عليه أبو محمد عبد الله بن الحفيد ويجلس بين يديه ويتعلم منه وكان مولد أبي محمد عبد الله بن الحفيد أبي بكر في سنة سبع وسبعين وخمسمائة بمدينة أشبيلية وتوفي رحمه الله مسموما في سنة اثنتين وستمائة في مدينة سلا في الجهة المسماة برباط الفتح ودفن بها وكان متوجها إلى مراكش فاخترمه الأجل دونها ثم حمل من الموضع الذي دفن فيه إلى أشبيلية ودفن عند آبائه بأشبيلية خارج باب الفتح فكانت مدة حياته خمسا وعشرين سنة ومن أعجب ما حدثني القاضي أبو مروان الباجي عنه قال كنت يوما عنده وإذا به قد قال لي إنني رأيت البارحة في النوم أختي وكانت أخته قد ماتت قبله قال وكأني قلت لها يا أختي بالله عرفيني كم يكون عمري فقالت لي طابيتين ونصفا والطابية هي خشبة للبناء معروفة في المغرب بهذا الاسم طولها عشرة أشبار فقلت لها أنا أقول لك جد وأنت تجيبيني بالهزء فقالت لا والله ما قلت لك إلا جدا وإنما أنت ما فهمت أليس الطابية عشرة أشبار والطابيتين ونصفا خمسة وعشرون