ابن أبي أصيبعة
494
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وهاداه بهدايا لها قدر عظيم فكان في جملة هديته كتاب دسقوريدس مصور الحشائش بالتصوير الرومي العجيب وكان الكتاب مكتوبا بالإغريقي الذي هو اليوناني وبعث معه كتاب هروسيس صاحب القصص وهو تاريخ للروم عجيب فيه أخبار الدهور وقصص الملوك الأول وفوائد عظيمة وكتب أرمانيوس في كتابه إلى الناصر إن كتاب ديسقوريدس لا تجتنى فائدته إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني ويعرف أشخاص تلك الأدوية فإن كان في بلدك من يحسن ذلك فزت أيها الملك بفائدة الكتاب وأما كتاب هروسيس فعندك في بلدك من اللطينيين من يقرأه باللسان اللطيني وإن كشفتهم عنه نقلوه لك من اللطيني إلى اللسان العربي قال ابن جلجل ولم يكن يومئذ بقرطبة من نصارى الأندلس من يقرأ اللسان الأغريقي الذي هو اليوناني القديم فبقي كتاب ديسقوريدس في خزانة عبد الرحمن الناصر باللسان الإغريقي ولم يترجم إلى اللسان العربي وبقي الكتاب بالأندلس والذي بين أيدي الناس بترجمة أسطفن الواردة من مدينة السلام بغداد فلما جاوب الناصر أرمانيوس الملك سأله أن يبعث إليه برجل يتكلم بالإغريقي واللطيني ليعلم له عبيدا يكونون مترجمين فبعث أرمانيوس الملك إلى الناصر براهب كان يسمى نقولا فوصل إلى قرطبة سنة أربعين وثلاثمائة وكان يومئذ بقرطبة من الأطباء قوم لهم بحث وتفتيش وحرص على استخراج ما جهل من أسماء عقاقير كتاب ديسقوريدس إلى العربية وكان أبحثهم وأحرصهم على ذلك من جهة التقرب إلى الملك عبد الرحمن الناصر حسداي بن بشروط الإسرائيلي وكان نقولا الراهب عنده أحظى الناس وأخصهم به وفسر من أسماء عقاقير كتاب ديسقوريدس ما كان مجهولا وهو أول من عمل بقرطبة ترياق الفاروق على تصحيح الشجارية التي فيه وكان في ذلك الوقت من الأطباء الباحثين عن تصحيح أسماء عقاقير الكتاب وتعيين أشخاصه محمد المعروف بالشجار ورجل كان يعرف بالبسباسي وأبو عثمان الجزار الملقب باليابسة ومحمد بن سعيد الطبيب وعبد الرحمن بن إسحاق بن هيثم وأبو عبد الله الصقلي وكان يتكلم باليونانية ويعرف أشخاص الأدوية قال ابن جلجل وكان هؤلاء النفر كلهم في زمان واحد مع نقولا الراهب أدركته وأدركت نقولا الراهب في أيام المستنصر وصحتهم في أيام المستنصر الحكم وفي صدر دولته مات نقولا الراهب فصح ببحث هؤلاء النفر الباحثين عن أسماء عقاقير كتاب ديسقوريدس تصحيح الوقوف على أشخاصها بمدينة قرطبة خاصة بناحية الأندلس ما أزال الشك فيها عن القلوب وأوجب المعرفة بها بالوقوف على أشخاصها وتصحيح النطق بأسمائها بلا تصحيف إلا القليل منها الذي لا بال به ولا خطر له وذلك يكون في مثل عشرة أدوية قال وكان لي في معرفة تصحيح هيولى الطب الذي هو أصل الأدوية المركبة حرص شديد وبحث