ابن أبي أصيبعة

465

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ويحدثني نجم الدين يوسف بن شرف الدين علي بن محمد الأسفزاري قال كان الشيخ الإمام ضياء الدين عمر والد الإمام فخر الدين من الري وتفقه واشتغل بعلم الخلاف والأصول حتى تميز تميزا كثيرا وصار قليل المثل وكان يدرس بالري ويخطب في أوقات معلومة هنالك ويجتمع عنده خلق كثير لحسن ما يورده وبلاغته حتى اشتهر بذلك بين الخاص والعام في تلك النواحي وله تصانيف عدة توجد في الأصول وفي الوعظ وغير ذلك وخلف ولدين أحدهما الإمام فخر الدين والآخر وهو الأكبر سنا كان يلقب بالركن وكان هذا الركن قد شدا شيئا من الخلاف والفقه والأصول إلا أنه كان أهوج كثير الاختلال فكان أبدا لا يزال يسير خلف أخيه فخر الدين ويتوجه إليه في أي بلد قصده ويشنع عليه ويسفه المشتغلين بكتبه والناظرين في أقواله ويقول ألست أكبر منه واعلم منه وأكثر معرفة بالخلاف والأصول فما للناس يقولون فخر الدين فخر الدين ولا أسمعهم يقولون ركن الدين وكان ربما صنف بزعمه شيئا ويقول هذا خير من كلام فخر الدين ويثلبه والجماعة يعجبون منه وكثير منهم يصفونه ويهزأون به وكان الإمام فخر الدين كلما بلغه شيء من ذلك صعب عليه ولم يؤثر أن أخاه بتلك الحالة ولا أحد يسمع قوله وكان دائم الإحسان إليه وربما سأله المقام في الري أو في غيره وهو يفتقده ويصله بكل ما يقدر عليه فكان كلما سأله ذلك يزيد في فعله ولا ينتقل عن حاله ولم يزل كذلك لا ينقطع عنه ولا يسكت عما هو فيه إلى أن اجتمع فخر الدين بالسلطان خوارزمشاه وأنهى إليه حال أخيه وما يقاسي منه والتمس منه أن يتركه في بضع المواضع ويوصى عليه أنه لا يمكن من الخروج والانتقال عن ذلك الموضع وأن يكون لهما يقوم بكفايته وكل ما يحتاج إليه فجعله السلطان في بعض القلاع التي له وأطلق له إقطاعا يقوم له في كل سنة بما مبلغه ألف دينار ولم يزل مقيما هنالك حتى قضى الله في أمره قال وكان الإمام فخر الدين علامة وقته في كل العلوم وكان الخلق يأتون إليه من كل ناحية ويخطب أيضا بالري وكان له مجلس عظيم للتدريس فإذا تكلم بذ القائلين وكان عبل البدن باعتدال عظيم الصدر والرأس كث اللحية ومات وهو في سن الكهولة أشمط شعر اللحية وكان كثيرا ما يذكر الموت ويؤثره ويسأل الله الرحمة ويقول إنني حصلت من العلوم ما يمكن تحصيله بحسب الطاقة البشرية وما يبيت أؤثر إلا لقاء الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم قال وخلف فخر الدين ابنين الأكبر منهما يلقب بضياء الدين وله اشتغال ونظر في العلوم والآخر وهو الصغير لقبه شمس الدين وله فطرة فائقة وذكاء خارق وكان كثيرا ما يصفه الإمام فخر الدين بالذكاء ويقول إن عاش ابني هذا فإنه يكون أعلم مني وكانت النجابة تتبين فيه من الصغر ولما توفي الإمام فخر الدين بقيت أولاده مقيمين في هراة ولقب ولده الصغير بعد