ابن أبي أصيبعة
404
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
تعرف ببغداد من صالحي هذه الصناعة فقال يا مولانا أستاذي وشيخي أبو نصر بن المسيحي ليس في البلاد بأسرها من يماثله فقال له الخليفة اذهب إليه ومره بالحضور فلما حضر خدم وقبل الأرض أمره بالجلوس فجلس ساعة ولم يكلمه ولم يأمره بشيء حتى سكن روعه فلما آنس منه ذلك قال له يا أبا نصر مثل نفسك أنك قد دخلت إلى بيمارستان وأنت تباشر به مريضا قد ورد من بعض الضياع وأريد أن تباشر مداواتي وتعالجني في هذا المرض كما تفعل بمن هذه صفته فقال السمع والطاعة ولكني احتاج أن أعرف من هذا الطبيب المتقدم مبادئ المرض وأحواله وتغيراته وما عالج به منذ أول المرض وإلى الآن فاحضر الشيخ أبو الخير وأخذ يذكر له ابتداءات المرض وتغيرات أحواله وما عالج به في أول الأمر وإلى آخر وقت فقال التدبير صالح والعلاج مستقيم فقال الخليفة هذا الشيخ أخطأ ولا بد لي من صلبه فقام أبو نصر بن المسيحي وقبل الأرض وقال يا مولانا بحق نعمة الله عليك وبمن مضى من أسلافك الطاهرين لا تسن على الأطباء هذه السنة وأما الرجل فلم يخطئ في التدبير ولكن لسوء حظه لم ينته المرض فقال قد عفوت عنه ولكن لا يعود يدخل علي فانصرف ثم أخذ أبو نصر في مداواته فسقاه ودهن العضو بالإدهان الملينات وقال له إن أمكن نلاطف الأمر بحيث نخرج هذه الحصاة من غير بط فهو المراد وإن لم تخرج فذلك لا يفوتنا فلم يزل كذلك يومين وفي ليلة اليوم الثالث رمى الحصاة فقيل إنه كان وزنها سبعة مثاقيل وقيل خمسة وقيل إنها كانت على مقدار أكبر نواة تكون من نوى الزيتون وبرأ وتتابع الشفاء ودخل الحمام فأمر أن يدخل أبو نصر إلى دار الضرب ويحمل من الذهب مهما قدر أن يحمله ففعل به ذلك ثم أتته الخلع والدنانير من أم الخليفة ومن ولديه الأميرين محمد وعلي والوزير نصير الدين أبي الحسن ابن مهدي العلوي الرازي ومن سائر كبار الأمراء بالدولة فأما أم الخليفة وأولاده والوزير والشرابي نجاح فكانت الدنانير من كل واحد منهم ألف دينار وكذلك من أكابر الأمراء والباقين على قدر أحوالهم فأخبرت أنه حصل من العين الدنانير عشرين ألف دينار ومن الثياب والخلع جملة وافرة وألزم الخدمة وفرضت له الجامكية السنية والراتب والإقامة ولم يزل مستمرا في الحكمة إلى أن مات الناصر قال وحدثني بعض الأطباء أن ابن عكاشة الجرائحي كان قد نذر عليه أنه يتصدق في بيعة سوق الثلاثاء بالربع مما يحصل له وأنه حمل إلى البيعة مائتين وخمسين دينارا وصرف أبو الخير المسيحي من الخدمة وقد كانت منزلته قبل هذا جليلة عنده ومحله مرتفع ووصله هبات وصلات عظيمة