ابن أبي أصيبعة
375
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
بسرعة إلى الأرض ولما كان أوحد الزمان في داره وأتاه المريض شرع في الكلام معه وحادثه وأنكر عليه حمله للدن وأشار إلى الغلام الذي عنده من غير علم المريض فأقبل إليه وقال والله لا بد لي أن أكسر هذا الدن وأريحك منه ثم أدار تلك الخشبة التي معه وضرب بها فوق رأسه بنحو ذراع وعند ذلك رمى الغلام الآخر الدن من أعلى السطح فكانت له جلبة عظيمة وتكسر قطعا كثيرة فلما عاين المريض ما فعل به ورأى الدن المنكسر تأوه لكسرهم إياه ولم يشك أنه الذي كان على رأسه بزعمه وأثر فيه الوهم أثرا برئ من علته تلك وهذا باب عظيم في المداواة وقد جرى أمثال ذلك لجماعة من الأطباء المتقدمين مثل جالينوس وغيره في مداواتهم بالأمور الوهمية وقد ذكرت كثيرا من ذلك في غير هذا الكتاب وحدثني الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم بن علي قال حدثني موفق الدين أسعد بن إلياس المطران قال حدثني الأوحد بن التقي قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الودود الطبيب قال حدثني أبو الفضل تلميذ أبي البركات المعروف بأوحد الزمان قال كنا في خدمة أوحد الزمان في معسكر السلطان ففي يوم جاءه رجل به داحس إلا أن الورم كان ناقصا وكان يسيل منه صديد قال فحين رأى ذلك أوحد الزمان بادر إلى سلامية أصبعه فقطعها قال فقلنا له يا سيدنا لقد أجحفت في المداواة وكان يغنيك أن تداويه بما يداوي به غيرك وتبقي عليه إصبعه ولمناه وهو لا ينطق بحرف قال ومضى ذلك اليوم وجاء في اليوم الثاني رجل آخر مثل ذلك سواء فأومأ إلينا بمداواته وقال افعلوا في هذا ما ترونه صوابا قال فداويناه بما يداوي به الداحس فاتسع المكان وذهب الظفر وتعدى الأمر إلى ذهاب السلامية الأولى من سلاميات الإصبع وما تركنا دواء إلا وداويناه به ولا علاجا إلا وعالجناه ولا لطوخا إلا ولطخناه ولا مسهلا إلا وسقيناه وهو مع ذلك يزيد ويأكل الإصبع أسرع أكل وآل أمره إلى القطع فعلمنا أن فوق كل ذي علم عليم قال وفشا هذا المرض في تلك السنة وغفل جماعة منهم عن القطع فتأدى أمر بعضهم إلى اليد وبعضهم إلى هلاك أنفسهم ونقلت من خط الشيخ موفق الدين عبد اللطيف البغدادي فيما ذكره عن ابن الدهان المنجم قال قال كان الشيخ أبو البركات قد عمي في آخر عمره وكان يملي على جمال الدين بن فضلان وعلى ابن الدهان المنجم وعلى يوسف والد الشيخ موفق الدين عبد اللطيف وعلى المهذب بن النقاش كتاب المعتبر وقيل إن أوحد الزمان كان سبب إسلامه أنه دخل يوما إلى الخليفة فقام جميع ما حضر إلا قاضي القضاة فإنه كان حاضرا ولم ير أنه يقوم مع الجماعة لكونه ذميا فقال يا أمير المؤمنين