ابن أبي أصيبعة

348

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

إلى الدار ولا يمنع لكونه طبيب الخدمة فاستحضره الخليفة ليلا وقال له يا حكيم عندي من أكره رؤيته وأريد إبعاده بوجه لطيف غير شفيع فقال له نرتب له شربة قوية بالغة يشربها وقد حصل الخلاص منه كما تؤثر فمضى وركب شربة كما وصف وأحضرها ليلا ودخل بها إلى عند الخليفة ففتحها ونظر إليها وقال يا حكيم استف هذه الشربة حتى نجرب فعلها فتلوى من ذلك وقال الله الله يا مولانا في فقال له الطبيب متى تعدى حده وتجاوز طوره وقع في مثل هذا وليس لك من هذا خلاص إلا السيف فاستف الحكيم الشربة التي ركبها وفر من الهلاك إلى الهلاك ثم خرج من دار الخليفة وكتب إلى الأمير قطب الدين يشعره بالحال ويقول له والانتقال من أمري إلى أمركم ثم هلك وأما قطب الدين فعزم أن يوقع بالخليفة فرد الله سبحانه كيده إليه ونهبت أمواله وهرب من بغداد بنفسه ومضى إلى الشام إلى الملك الناصر صلاح الدين فلم يقبله وعاد على طريق البرية إلى الموصل فمرض في الطريق ثم دخل الموصل فمات بها أقول وضد هذه الحكاية ما حدثني به شمس الدين محمد بن الحسن بن الكريم البغدادي عن بعض المشايخ ببغداد قال كان السلطان محمد بن محمود خوارزمشاه قد حضر بغداد في سنة وخمسمائة فمرض وهو بعسكره ظاهر البلد ومرض الخليفة المقتفي أبو عبد الله محمد بن المستظهر ببغداد فانفذ السلطان يلتمس الرئيس أمين الدولة بن التلميذ فأخرج إلى ظاهر المدينة فكان يداويه بظاهر بغداد ويداوي الخليفة ببغداد فقال له وزير السلطان أيها الرئيس إنني قد كنت عند السلطان وذكرت له من فضلك وأدبك ورآستك وقد أمر لك بعشرة آلاف دينار فقال له يا مولانا قد أمر لي من بغداد بأثني عشر ألف دينار أفيأذن لي في قبولها السلطان يا مولانا أنا رجل طبيب لا أتجاوز وظائف الأطباء وما يلزمهم ولا أعرف إلا ماء الشعير والنقوع وشراب البنفسج والنيلوفر ومتى أخرجت عن هذا لا أعرف شيئا وكان الوزير قد عرض له في حديثه بما معناه أنه يدبر في إتلاف الخليفة وقدر الله سبحانه برء الخليفة والسلطان ووقع الصلح بينهما على ما اقترحه الخليفة وهذا كان من عقل الرئيس أمين الدولة ودينه وأمانته فإنه كان يقول لا ينبغي للطبيب أن يداخل الملوك في أسرارهم ولا يتجاوز كما