ابن أبي أصيبعة

345

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

تحتاني أنطاكي ولباس دمياطي وفيه تكة إبريسم وصرة فيها خمسون دينارا وقال له أريد من أنعام مولانا يلبس هذه الثياب وأراها عليه وهذه الخمسون دينارا برسم الحمام وأعطى الحاجب جبة عتابي وعشرين دينارا وأعطى الدواتي جبة عتابي وخمسة دنانير وأعطى الركابي دينارين وقال اسأل مولانا أن يشرف الخادم بقبول ذلك فمضى الحاجب بالجميع إلى ابن المعوج وشرح له الحال فقبله منه أبو طاهر بن البرخشي هو موفق الدين أبو طاهر أحمد بن محمد بن العباس يعرف بابن البرخشي من أهل واسط فاضل في الصناعة الطبية كامل في الفنون الأدبية وقد رأيت من خطه ما يدل على رزانة عقله وغزارة فضله وكان في أيام المسترشد بالله حدثني شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن الكريم البغدادي قال حدثني أحمد بن بدر الواسطي قال كان الحكيم أبو طاهر أحمد بن محمد البرخشي بواسط يعالج مريضا به أحد أنواع الاستسقاء فطال به المرض ولم ينجع فيه علاج وعبر حد الحمية فسهل له في استعمال مهما طلبته النفس ومالت إليه الطبيعة من المآكل والأغذية فأطلق المريض يده ثم أكل ما تهيأ له فلما كان في بعض الأيام اجتاز به إنسان يبيع الجراد المسلوق في الماء والملح فمالت إليه نفس المريض فطلبه ثم اشترى منه وأكل فعرض له من ذلك إسهال مفرط وانقطع الحكيم عنه لما رأى به من الإفراط في الإسهال ثم أفاق منه بعد أيام وأخذ المزاج في الصلاح وابتدأ به البرء وتدرجت حاله إلى كمال الصحة والحكيم قد أيس من صلاحه فلما علم الحال أتاه وسأله عما استعمل ومم وجد الخف فقال لا أعرف إلا أنني منذ أكلت الجراد المسلوق شرعت في العافية ففكر الحكيم في ذلك طويلا ثم قال ليس هذا من فعل الجراد ولا من خاصته وسأل المريض عن بائع الجراد فقال لا أعلم بمكانه ولكني إن رأيته عرفته فشرع الحكيم في البحث والسؤال عن كل من يبيع الجراد وهو يحضره إلى المريض واحدا بعد واحد إلا أن عرف صاحبه الذي اشترى منه فقال له الحكيم أتعرف الموضع الذي صدت منه الجراد الذي أكل منه هذا المريض قال نعم قال امض بنا إليه فمضيا جميعا إلى المكان وإذا هناك حشيشة يرعاها الجراد فأخذ الحكيم من تلك الحشيشة ثم كان يداوي بها من الاستسقاء وأبرأ بها جماعة من هذا المرض وذلك معروف مشهور بواسط أقول وهذه هي حكاية قديمة قد جرى ذكرها وإن تلك الحشيشة التي كان الجراد يرعاها هي