ابن أبي أصيبعة
308
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
تعالج قديما بالأدوية الحارة إلى التدبير المبرد قال كان قد أسكت الوزير أبو طاهر بن بقيه في داره الشاطئة على الجسر ببغداد وقد حضر الأمير معز الدولة بختيار والأطباء مجمعون على أنه قد مات فتقدم أبو الحسن الحراني وكنت أصحبه يومئذ فقال أيها الأمير إذا كان قد مات فلن يضره الفصاد فهل تأذن في فصده قال له افعل يا أبا الحسن ففصده فرشح منه دم يسير ثم لم يزل يقوى الرشح إلى أن صار الدم يجري فأفاق الوزير فلما خلوت به سألته عن الحال وكان ضنينا بما يقول فقال إن من عادة الوزير أن يستفرغ في كل ربيع دما كثيرا من عروق المعدة وفي هذا الفصل انقطع عنه فلما فصدته ثابت الطبيعة من خناقها وقال عبد الله بن جبرائيل لما دخل عضد الدولة رحمه الله إلى بغداد كان أول من لقيه من الأطباء أبو الحسن الحراني وكان شيخا مسنا وسنان وكان أصغر من أبي الحسن وكانا عالمين فاضلين وكانا جمعيا يسعران المرضى ويمضيان إلى دار السلطان فحسن ثناؤه عليهما ولما دخلا إلى عضد الدولة قال من هؤلاء قالوا الأطباء قال نحن في عافية وما بنا حاجة إليهم فانصرفا خجلين فلما خرجا إلى الدهليز قال سنان لأبي الحسن يجمل أن ندخل إلى هذا الأسد ونحن شيخا بغداد فيفترسنا قال له أبو الحسن فما الحيلة قال نرجع إليه وأنا أقول ما عندي وننظر إيش الجواب قال افعل فاستأذنا ودخلا فقال سنان أطال الله بقاء مولانا الملك موضوع صناعتنا حفظ الصحة لا مداواة الأمراض والملك أحوج الناس إليه فقال له عضد الدولة صدقت وقرر لهما الجاري السني وصارا ينوبان مع أطبائه قال عبيد الله بن جبرائيل ولهما أحاديث كثيرة حسنة منها حديث قلاء الكبود وذلك أنه كان بباب الأزج إنسان يقلي الكبود فكانا إذا اجتازا عليه دعا لهما وشكرهما وقام لهما حتى ينصرفا عنه فلما كان في بعض الأيام اجتازا فلم يرياه فظنا أنه قد شغل عنهما ومن غد سألا عنه فقيل لهما أنه الآن قد مات فعجبا من ذلك وقال أحدهما للآخر له علينا حق يوجب علينا قصده ومشاهدته فمضيا جميعا وشاهداه فلما نظرا إليه تشاورا في فصده وسألا أهله أن يؤخروه ساعة واحدة ليفكروا في أمره ففعلوا ذلك وأحضروا فصادا ففصده فصدة واسعة فخرج منه دم غليظ وكان كلما خرج الدم خف عنه حتى تكلم وسقياه ما يصلح وانصرفا عنه ولما كان في اليوم الثالث خرج إلى دكانه فكان هذا من المعجز لهما فسئلا عن ذلك فقالا سببه أنه كان إذا قلى الكبود يأكل منها وبدنه ممتلئ دما غليظا وهو لا يحس حتى فاض من العروق إلى الأوعية وغمر الحرارة الغريزية وخنقها كما يخنق الزيت الكثير الفتيلة التي تكون في السراج فلما بدروه بالفصد نقص الدم وخف عن القوة الحمل الثقيل وانتشرت الحرارة وعاد الجسم إلى الصحة