ابن أبي أصيبعة
258
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
أهل الحيرة وأهل جندي سابور خاصة ومتطببوها ينحرفون عن أهل الحيرة ويكرهون أن يدخل في صناعتهم أبناء التجار فسأله حنين في بعض الأيام عن بعض ما كان يقرأ عليه مسألة مستفهم لما يقرأ فحرد يوحنا وقال ما لأهل الحيرة ولتعلم صناعة الطب صر إلى فلان قرابتك حتى يهب لك خمسين درهما تشتري منها قفافا صغارا بدرهم وزرنيخا بثلاثة دراهم واشتر بالباقي قلوسا كوفية وقادسية وزرنخ القادسية في تلك القفاف واقعد على الطريق وصح القلوس الجياد للصدقة والنفقة ربع القلوس فإنه أعود عليك من هذه الصناعة ثم أمر به فأخرج من داره فخرج حنين باكيا مكروبا وغاب عنا حنين فلم نره سنتين وكان للرشيد جارية رومية يقال لها خرشى وكانت ذات قدر عنده محلها منه محل الخوازن وكانت لها أخت أو بنت أخت ربما أتت الرشيد بالكسوة أو بالشيء مما خرشى خازنة عليه فافتقدها الرشيد في بعض الأوقات وسأل خرشي عنها فأعلمته انها زوجتها من قرابة لها فغضب من ذلك وقال كيف أقدمت على تزويج قرابة لك أصل ابتياعك إياها من مالي فهي مال من مالي بغير أذني وأمر سلاما الأبرش بتعرف أمر من تزوجها وبتأديبه فتعرف سلام الخبر حتى وقع على الزوج فلم يكلمه حين ظفر به حتى خصاه فبلي بالخصاء بعد أن علقت الجارية منه وولدت الجارية عند مخرج الرشيد إلى طوس وكانت وفاة الرشيد بعد ذلك فتبنت خرشى ذلك الغلام وأدبته بآداب الروم وقراءة كتبهم فتعلم اللسان اليوناني علما كانت له فيه رياسة وهو إسحق المعروف بابن الخصي فكنا نجتمع في مجالس أهل الأدب كثيرا فوجب لذلك حقه وذمامه واعتل إسحق ابن الخصي علة فأتيته عائدا فإني لفي منزلة إذ بصرت بإنسان له شعرة قد جللته وقد ستر وجهه عني ببعضها وهو يتردد وينشد شعرا بالرومية لأوميرس رئيس شعراء الروم فشبهت نغمته بنغمة حنين وكان العهد بحنين قبل ذلك الوقت بأكثر من سنتين فقلت لإسحاق بن الخصي هذا حنين فأنكر ذلك إنكارا يشبه الإقرار فهتفت بحنين فاستجاب لي وقال ذكر ابن رسالة الفاعلة أنه من المحال أن يتعلم الطب عبادي وهو بريء من دين النصرانية أنه رضي أن يتعلم الطب حتى يحكم اللسان اليوناني إحكاما لا يكون في دهره من يحكمه أحكامه وما أطلع علي أحد غير أخي هذا ولو علمت أنك تفهمني لاستترت عنك لكني عملت على أن حيلتي قد تغيرت في عينك وأنا أسألك أن تستر أمري فبقيت أكثر من ثلاث سنين وإني لأظنها أربعا لم أره ثم إني دخلت يوما على جبرائيل بن بختيشوع وقد انحدر من معسكر المأمون قبل وفاته بمدة يسيرة فوجدت عنده حنينا وقد ترجم له أقساما قسمها بعض الروم في كتاب من كتب جالينوس