ابن أبي أصيبعة
254
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
أبا عثمان وانظر ما يكون في غد فأكل أبو عثمان نصرة لدعواه ففلج في ليلته فقال هذه والله نتيجة القياس المحال والذي ضلل أبا عثمان اعتقاده أن السمك من طبع اللبن ولو سامحناه في أنهما من طبع واحد لكان لامتزاجهما قوة ليست لأحدهما وقال الشيخ أحمد بن علي ثابت الخطيب البغدادي عن الحسين بن فهم قال قدم علينا محمد بن سلام صاحب طبقات الشعراء وهو الجمحي سنة اثنتين وعشرين ومائتين فاعتل علة شديدة فما تخلف عنه أحد وأهدى إليه أجلاء أطبائهم فكان ابن ماسويه ممن أهدي إليه فلما جسه ونظر إليه قال ما أرى من العلة ما أرى من الجزع فقال والله ما ذاك لحرص على الدنيا مع اثنتين وثمانين سنة ولكن الإنسان في غفلة حتى يوقظ بعلة ولو وقفت بعرفات وقفة وزرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم زورة وقضيت أشياء في نفسي لرأيت ما اشتد علي من هذا قد سهل فقال له ابن ماسويه فلا تجزع فقد رأيت في عرقك من الحرارة الغريزية وقوتها ما أن سلمك الله من هذه العوارض بلغك عشر سنين أخرى قال الحسين بن فهم فوافق كلامه قدرا فعاش عشر سنين بعد ذلك وحدث الصولي في كتاب الأوراق قال كان المأمون نازلا على البدندون نهر من أعمال طرسوس فجلس يوما وأخوه المعتصم عليه وجعلا أرجلهما فيه استبرادا له وكان أبرد الماء وأرقه وألذه فقال المأمون للمتعصم أحببت الساعة من أزاذ العراق آكله وأشرب من هذا الماء البارد عليه وسمع صوت حلقة البريد وأجراسه فقيل هذا يزيد بن مقبل بريد العراق فأحضر طبقا من فضة فيه رطب أزاذ فعجب من تمنيه وما تم له فأكلا وشربا من الماء ونهضا وتودع المأمون وأقام ثم نهض محموما وفصد فظهرت في رقبته نفخة كانت تعتاده ويراعيها الطبيب إلى أن تنضج وتفتح وتبرأ فقال المعتصم للطبيب وهو ابن ماسويه ما أطرف ما نحن فيه تكون الطبيب المفرد المتوحد في صناعتك وهذه النفخة تعتاد أمير المؤمنين فلا تزيلها عنه وتتلطف في حسم مادتها حتى لا ترجع إليه والله لئن عادت هذه العلة عليه لأضربن عنقك فاستطرق ابن ماسويه لقول المعتصم وانصرف فحدث به بعض من يثق به ويأنس إليه فقال له تدري ما قصد المعتصم قال لا قال قد أمرك بقتله حتى لا تعود النفخة إليه وإلا فهو يعلم أن الطبيب لا يقدر على دفع الأمراض عن الأجسام وإنما قال لك لا تدعه يعيش ليعود المرض عليه فتعالل ابن ماسويه وأمر تلميذا له بمشاهدة النفخة والتردد إلى المأمون نيابة عنه والتلميذ يجيئه كل يوم ويعرفه حال المأمون وما تجدد له فأمره بفتح النفخة فقال له أعيذك بالله ما أحمرت ولا بلغت إلى حد الجرح فقال له امض وافتحها كما أقول لك ولا تراجعني فمضى وفتحها ومات المأمون رحمه الله أقول إنما فعل ابن ماسويه ذلك لكونه عديما للمروءة والدين والأمانة وكان على غير ملة