ابن أبي أصيبعة
243
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وإلا فقم من ههنا فقال له يا سيدي أحسن وأجيد فقال له ادخل معي حتى تعالجني فدخل معه وقلب جفنه وكحله وسكب على رأسه وسعطه فنام الخادم وهدأ فلما أصبح أنفذ إلى ماسويه جونة فيها خبز سميد وجدي ودجاجة وحلوى ودنانير ودراهم وقال له هذا لك في كل يوم والدراهم والدنانير رزقك مني في كل شهر فبكى ماسويه فرحا فتوهم الرسول أنه قد استقله فقال له لا تغتم فإنه يزيدك ويحسن إليك فقال له يا سيدي رضيت منه بهذا إن يدره على الأيام فلما رجع عرف الخادم ما كان منه فعجب منه وبرأ الخادم على يديه ولم يمض إلا أيام يسرة حتى اشتكت عين الفضل فنفذ إليه جبرائيل الكحالين فلم يزالوا يعالجونه فلم ينتفع بهم فأدخل الخادم ماسويه إليه ليلا فلم يزل يكحله إلى ثلث الليل ثم سقاه دواء مسهلا فصلح به ثم حضر جبرائيل فقال له الفضل يا أبا عيسى أن ههنا رجلا يقال له ماسويه من أفره الناس وأعرفهم بالكحل فقال له ومن هذا لعله الذي يجلس بالباب فقال له نعم قال جبرائيل هذا كان أكارا لي فلم يصلح للكروث فطردته وقد صار الآن طبيبا وما عالج الطب قط فإن شئت فأحضره وأنا حاضر وتوهم جبرائيل أنه يدخل ويقف بين يديه ويتذلل له فأمر الفضل بإحضاره فدخل وسلم وجلس بحذاء جبرائيل فقال له جبرائيل يا ماسويه أصرت طبيبا فقال له لم أزل طبيبا أنا أخدم البيمارستان منذ ثلاثين سنة تقول لي هذا القول ففزع جبرائيل أن يزيد في المعنى فبادر وانصرف في الحال وهو خجل وأجرى الفضل على ماسويه في كل شهر ستمائة درهم وعلوفة دابتين ونزل خمسة غلمان وأمره أن يحمل عياله من جندي سابور وأعطاه نفقة واسعة فحمل عياله ويوحنا ابنه حينئذ وهو صبي فما مضت إلا أيام حتى اشتكت عين الرشيد فقال له الفضل يا أمير المؤمنين طبيبي ماسويه من أحذق الناس بالكحل وشرح له قصته وما كان من أمر خادمه وأمر نفسه فأمر الرشيد بإحضاره فأحضر ماسويه فقال له تحسن شيئا من الطب سوى الكحل فقال نعم يا أمير المؤمنين وكيف لا أحسن وأنا قد خدمت المرضى بالبيمارستان منذ ثلاثين سنة فأدناه منه ونظر عينيه فقال الحجام الساعة فحجمه على ساقيه وقطر في عينيه فبرأ بعد يومين فأمر بأن يجري عليه ألفا درهم في الشهر ومعونة في السنة عشرون ألف درهم وعلوفة ونزل وألزمه الخدمة مع جبرائيل وسائر من كان في الخدمة من المتطببين وصار نظيرا لجبرائيل بل كان في ذلك الوقت يحضر بحضوره ويصل بوصوله ودونه في الرزق لأن جبرائيل كان له في الشهر عشرة آلاف درهم ومعونة في السنة مائة ألف درهم وصلات دائمة وإقطاعات ثم أنه اعتلت بانوا أخت الرشيد فلم يزل جبرائيل يعالجها بأنواع العلاج فلم تنتفع فاغتم بها